فن وثقافة

صاحب القناع

بقلم:أزلو محمد

في أحد أيام صيف السنة الماضية،استيقظت من نومي كعادتي متأخرا حتى توسطت الشمس الحارقة كبد سماء مدينتي،تناولت غذائي “لأني غالبا ما أخاصم وجبة الفطور مفضلا عليها سويعات من النوم العميق الهادئ”، بعدها حاولت العودة لغرفتي ،وأخذ آلة التحكم عن للبحث بين القنوات المتراكمة عن ما يذهب جفاء لحظتي هاته،ويسير بعجلة الساعة إلى التسارع نحو المساء الطليل،لكن صراع وجداني بين ملاكي” الذي حاول إرجاعي لفراشي،منبها إياي بأن هدوء غرفتي أفضل لي من ضجيج البشر خارجها”وبين شيطاني “الذي حثني على تغيير روتين البقاء بين حيطان غرفتي بالخروج المقرب لملاقاة

الأحباب والأصحاب،والتنقيب على ما يشغل بال ساكنة مديني”.

إنتصرت لشيطاني على ملاكي،وقررت تطبيق نصيحة الأول وضرب نصيحة الثاني بجدار غرفتي الحزينة لفراقي.

كانت وجهتي أحد مقاهي مدينتي لعلي أجد ما يشغل لحظات يومي الطويل هذا،وفعلا بعد اختيار مكاني والمناداة على مشروبي، دخل المقهى أحد الأصدقاء غير المقربين لي، حياني وجلس معي في نفس مائدتي،ليفتح نقاشا تحول لجدال عقيم،حيث سرنا به لصراع فكري بيني وبين صديقي غير المقرب،تطرقنا خلاله لآهات ساكنة مدينتي،ومشاكل العديد ممن قدر له العيش فيها سواء مرغما أو مخيرا،فكان رأي صديقي غير المقرب، بأن المسؤول عن الإهمال والتهميش لمدينتنا، هو رئيس الجماعة الحالي، وكال له السب والشتم ولعنه رفقة مكتبه المسير، هنا بدأ الخلاف بين رأيينا يسير نحو البحث عن الذات النرجسية لكل منا،حيث اختلفت مع صديقي عمن نتهمه بالمسؤولية لما آلت له مدينتي المنكوبة،فرغم أني لم أنفي مسؤولية رئيس جماعتنا،لكني بدوري لم أبعدها عن باقي مكونات المجتمع،فالمسؤولية حسب نظري المتواضع،منقسمة ومتجزئة لرأس الأفعى إلى ذيلها المقطوع،وأفعانا هذه أسطورية حتى لو قطعنا رأسها فسينمو آخر بنفس مواصفاة الأول، لأن باقي الجسد مريض ومعتل…فالمسؤول ذاك المواطن البسيط الجاهل،الذي قد يبيع سنوات من عمر مدينته بثمن عشاء ليلة أو ليلتين… المسؤول ذاك المثقف الذي يختار مكانا قصيا في مقهى كئيبة،ويبدأ في التشكي واللعن والبكاء على الأطلال من برجه العالي،وعند أول استحقاق حقيقي يغيب ويختار السلبية والعودة للمعارضة المقيتة…المسؤول ذاك المهاجر عن بلدته الذي تاه وسط زحمة حياته الجديدة ووسط أنوار عواصم العالم الآخر،ونسي أو تناسى مسقط رأسه ومنبع ذاته…المسؤول حسب نظري المتواضع أنا وأنت وصديقي غير المقرب، فكلنا مسؤولون… وكلنا نتحمل وزر مدننا التعيسة…

تحول نقاشنا الآن لجدال عقيم،فرأس صديقي كجلمود صخر بشاطئ منسي،وقذائفه تتجه فقط لرأس الأفعى،ويأبى أن يكون لباقي الجسد دور في عدم تنمية مدينتنا،ولإيقاف هذا الجدال غير النفعي،ناديت النادل وناولته ثمن مشروبي، وودعت صديقي غير المقرب،وعدت أدراجي لمنزلي.

بعد بضعة أيام على لقاء صديقي غير المقرب، تحت شمس الظهيرة وبمقهانا المعلومة،كانت هذه المرة صدفة اللقاء الثاني أرحم،فالشمس مختفية وسلمت المشعل لزميلها القمر الحنون، والمكان أكثر ضجيجا وصخبا بقاعة بلدية مدينتي،والمناسبة نشاط لإحدى الجمعيات المحلية.

كان صديقي غير المقرب جالس بالقرب من رئيس جماعتنا،اقتربت منهما وألقيت تحيتي عليهما،وابتعدت لكرسي بعيد عنهما،وعيناي منصبة نحوهما،وتفكيري منشغل بما يدور بينهما من همس،تراءى لي بأن صديقي غير المقرب يلوم السيد الرئيس على إهماله،ويوبخه على ذلك والآخر يدافع عن نفسه بحجج واهية…

بعد لحظات من الترحيب والتبريك من طرف الجمعية المنظمة للحضور،جاء الدور على بعض الحضور لإلقاء كلمتهم بالمناسبة،ولحسن الحظ أو سوئه كان لصديقي مكان داخل الأجندة المنتقاة من الجمعية المنظمة لمن سيلقي خطابه.

قام صديقي غير المقرب للمنصة،وأسهب في الكلام،حيث حيى الحضور،وشكر الجمعية المنظمة على هذا الحفل البهيج،وسار في إلقاء خطبته العجفاء،وبين الفينة والأخرى توقفه تصفيقات بعض الحاضرين.

قبل نهاية خطبة صديقي غير المقرب،ألقى بقنبلة شتت تفكيري ورمته بقاياه لصحراء عجاف، حيث بدأ بإلقاء الورد على رئيس الجماعة، بعدما كنت أظنه بأنه سيرميه بالشمع الحارق، ووصفه بالرجل المناسب الذي وضع في مكانه المناسب، الآن صديقي أصبح رئيسا أكثر من الرئيس، وقام بمدحه بكلمات لو اجتمعت الإنس والجن على تكوينها النفاقي لما فلحت كما فلح صديقي غير المقرب.

صدمت لواقع الحال الذي أصبح الآن محالا، وعدت أدراجي رفقة خيبة الأمل في صاحبي غير المقرب،وهذه المرة لم أودعه ولم أترك له فرصة لوداعي.

عدت لآلة التحكم في تلفازي،وقررت الغوص داخل قنوات فضائية تحيلني للخيال الجميل، بعد خذلاني من واقعي البئيس،لعنت شيطاني المارد الذي حثني على الخروج،وتأسفت لملاكي الطاهر الذي نصحني بالبقاء رفقة آلتي وتلفازي.

أخذت آلة التحكم في التلفاز،ورحلت عبر أزمنة القنوات،لكن كياني أبى إلى أن يرسم أمامي ذكريات يومي النحس ويعيدني لشريطها الممزق.

رسم خيالي اللحظي أمامي صورة لصديقي المنافق،لكن بعد تمعني الجيد في لوحتي تلك، تراءى لي جحافيل من طينة صديقي غير المقرب،وبداخل لوحتي تساؤل فلسفي أسطوري لن يكون له جواب إلا بعد الفناء.

وكانت الخاتمة هي هذا التساؤل المرسوم بلوحتي الذاكرية:

متى نزيل القناع؟؟؟؟!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق