أقلام حرة

شهادة في حق الفنان المتعدد مصطفى العسري

ماروك بريس:بقلم:الباحث والناقد الدكتور نور الدين الخديري.

 

من أجل ثقافة اعتراف بفناني الهامش:

ماذا عساني أن أقول في حق مصطفى العسري، الفنان الذي يعيش ويحيا بأوكسيجين الفن؟ هل تكفي الكلمات، والمجاملات، و”الجيمات” الباردة التي أصبحنا نعتاد عليها في زمن الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي؟
هل تكفي الإشادة الكلامية أو النوايا الحسنة التي تختلج في دواخلنا عندما نتفاعل مع طاقة فنية وإبداعية تخلق من لاشيء أشياء، وتفتح في وجوه الطفولة والشباب أبوابا موصدة بحكم هذا الشغف الجنوني بالفنون المتعددة، زجلا ومسرحا وسينما…تصنع من هواجسهم المثقلة بالطاقة السلبية أحلاما من الجمال والبهاء بسعة الكون؟
هل بالإمكان أن نحفز ولو بهذه الأساليب على علاتها مسارا إبداعيا وهاجا، يصارع الظروف الاجتماعية، ويرى بعين البصيرة لا بعين البصر- العليلة- وجه الحياة المضيء، رغم ما يعمره من قبح وميوعة وخذلان؟
هي كلمات تنسكب تلقائيا، و تنكتب طوعا، وأنا أصوغ شهادة على بساطتها في حق الفنان العزيز مصطفى العسري، الذي جمعتني به ظروف الحياة المهنية بمدينة الفن والفنانين أزمور، هذا الفنان الذي يجتمع فيه ما يتفرق في غيره، فهو الزجال الذي يعرف كيف يراقص الكلمات، وكيف يرسمها لوحات فنية، لا يجيد صناعتها إلا هو منتجا بذلك جهازا مفاهيميا من الكلمات الدالة، التي تنتج المعنى المناسب في السياق المناسب، كما أنه يكتب مسرحا بنصوص باذخة متدفقة بالحياة، لأنها تنتقي الجزئيات المؤثرة في حياتنا العامة، فيكون صادقا في نقلها إلى الركح، ويتبدى صدقها أكثر حينما تصير واقعا حقيقيا، تحركه الأجساد الموهوبة التي انتقاها العسري بعد طول تدريب وتكوين، لتمهيرها على ركوب الخشبة والاستزادة من فنونها، وهو بعد هذا وذاك مهووس بالسينما من خلال بعض السيناريوهات التي كتبها، فلم تر النور بعد، لغياب الدعم المادي من جهة، ولأن عينيه خانتاه في السنوات الثلاث الأخيرة من جهة أخرى. ولعل هذا السبب هو الذي جعل العسري يجهض –مضطرا-الدورة الخامسة والسادسة والسابعة على التوالي من المهرجان الوطني للمسرح الذي كان لي شرف تأسيس أولى دوراته معه إلى جانب ثلة من الفنانين والمبدعين الذين تفتخر بهم مدينة أزمور. هذا المهرجان الذي أسهم في تكريم كل من الفنان الراحل أحمد الطيب العلج سنة2014، وكذا الراحل محمد بسطاوي في دورته الثانية 2015، فضلا عن المسرحي الكبير عبد الكريم برشيد2016، علاوة على الممثل القدير عبد القادر مطاع في الدورة الرابعة2017.
للأسف لم يكتب لهذا المهرجان الاستمرار، وهو الذي كان بمثابة متنفس لأزمور وساكنتها، لأنه كان يقدم منتوجا مسرحيا متنوعا، ينتقي أهم العروض المسرحية التي يشتغل عليها الشباب من مختلف مناطق المغرب، بعد سلسلة من الإجراءات التقنية تسهر عليها لجان تحكيم متخصصة. وعلى الرغم من هذا الواقع الذي أقبر الدورة الخامسة للمهرجان، وأوقف مسيرة فنان مسرحي كان يحيا بحياة هذا المهرجان ويتحرك بحركيته، ظل مصطفى العسري وفيا لرسالته في الفن، متحديا ظروفه الاجتماعية، ورافضا سياسة التهميش، وثقافة الجحود التي كرست للحالة التي أصبح عليها هذا الفنان العاشق للفن والفنانين، فصار يواصل شغبه في الإبداع، والإصرار على حقه المشروع في الوجود، ولعل شريطه السينمائي القصير” وصل” الذي أخرجه مؤخرا خير دليل على مدى الإيمان القوي الذي يتملك العسري في الإبقاء على ثقافة الجمال سارية المفعول في مدينته أزمور- على الأقل- التي ظل وفيا لها، عاشقا لتربتها ولأناسها حد الجنون.
شريط ” وصل” فكرة عبد اللطيف البقالي، سيناريو وإخراج مصطفى العسري، وتشخيص نخبة من شباب أزمور، يحاول العسري من خلاله اقتناص لحظات من واقع اليومي المغربي للمواطن البسيط، الذي تقوت عليه تكاليف الحياة، واكتوى بنصب الانتظار، انتظار الفرج من جهة، حيث يخيم الوباء الكوني كوفيد19 بثقله الكاتم للأنفاس، وانتظار تلك المساعدة التي خصصتها الدولة لفائدة الفئات الفقيرة، التي فقدت عملها، أو اضطرت للتوقف الطارئ عن عملها اليومي من جهة أخرى، فكانت عدسة الفنان العسري مصوبة في اتجاه هذه اللحظات الفارقة في يومي مغربي يعيش زمنا كورونيا يكرس من بؤس الفئات الهشة، التي تعاني في صمت، ولعل الفيلم الذي اختار هذه الفكرة، كان يريد تصوير حجم المعاناة، ومستوى الحاجة والعوز الذي يلقي بأسرة بكاملها في أتون الانتظار، ولسوء حظ هؤلاء يتوغل الزمن عميقا لتعرية واقع طفح بأصحابه الكيل في نفق هذا الانتظار، مما جعل الجميع يعيش حالة من الترقب الذي يزيده سوء الحظ حدة وتوترا.
لقد عبر الشريط عن فكرة عاش على وقعها عدد لا يستهان به من الأسر، فكرة وإن كانت تبدو بسيطة، لكنها عميقة في بعدها الدلالي، حاولت تقنيات الفيلم أن تجعلها بؤرة تتفجر منها الأحداث. هكذا هو حال الفنان العسري، أن يكون متفاعلا مع الأحداث الكبرى ( زمن كورونا) وأن يترصد لها بعين لاقطة للمعنى، جاعلة من الفن السابع مجالا أنسب للتواصل مع العالم.
لا يكفيني المقام لاستقراء تجربة الفنان المتعدد مصطفى العسري، الذي من حق أزمور، ومسؤولي أزمور، وكل من له غيرة على الفن والفنانين بالمغرب، أن يفتخروا بمنجزاته، لأن الحديث عنه قد يطول، وسوف يتصيد أصحاب النوايا الحسنة الفرصة لمنح هذا الرجل بعضا مما يستحقه، تحياتي أيها الفنان الأصيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق