زاوية الابداع

الكتابة النسائية حديث ذوشجون

ماروك بريس:بقلم:مصطفى لغتيري
من البديهي أن الموقف من كتابة المرأة يختلف من ناقد إلى آخر، فهناك من يعترض -مبدئيا-على تسمية “الكتابة النسائية” لأسباب تختلف حسب زاوية النظر التي يطل منها كل ناقد على حدة على كتابة المرأة، وهناك من يطلقها كتسمية إجرائية لدراسة هذه الكتابة بشكل موضوعي، مدعيا أنه بعيد عن أي موقف إيديولوجي أو تمييزي، لكن بالمقابل هناك من يصر على هذه التسمية ويوظفها باعتبارها تعبيرا حقيقيا عن خصائص تميز الكتابة عند النساء.
من أجل فهم أعمق لهذا الإشكال طلبنا من بعض المهتمين بالشأن الأدبي استعراض وجهات نظرهم حول الموضوع، طالبين منهم في الوقت نفسه الإشارة إلى ما حققته المرأة الكاتبة إبداعيا في رحلة إثبات الذات. فتشعبت الردود واختلفت، إذ قال رضوان المتوكل إن الكتابة بوصفها إبداعاً هي مشروع إنساني بالدرجة الأولى، بغض النظر عن كاتبه، سواء كان رجلاً أو امرأة، وهذه بدهية يعرفها كل المشتغلين في الحقل الثقافي ، إلا أن هذا الأمر لا ينفي حقيقة وجود بعض الفروقات ما بين الكتابة الصادرة عن المرأة وسواها مما يكتبه الرجل، وهو ما اصطلح على تسميته ب “الكتابة النسائية ” التي احتدم حولها الجدل .
وقد أسال هذا المصطلح الكثير من المداد بين رافض للتسمية بشكل قاطع، على اعتبار أن الأدب يقاس بجودته وليس بجنسه، في حين يقف في الصف المقابل بعض النقاد ومعهم عدد من الكاتبات اللواتي اعتبرن المفهوم ينخرط في سياق إجرائي محض باعتبار الكتابة فعل غير منفصل عن الذات ،وهكذا انقسم الموقف النقدي العربي بين القبول والرفض لهذا المصطلح ومحاولة البحث عن البديل الذي يفرغ مفهوم الكتابة النسوية من جانبها الجنسي الذي تحيل اليه ، ويجتهد كل فريق في تعليل التوجه الذي اختاره.
لاغرو أن الحديث عن الكتابة النسائية، يحيلنا مباشرة على ما حقّقته المرأة من إنجازات في العقود الأخيرة، في شتى مجالات الحياة العلمية والعملية، والتي أسهمت فيها تحوُّلات تعليميّة واجتماعية واقتصادية وسياسية، زادت في تحسين أداء المرأة وتبوُّئها مناصب عليا، ولعبها أدوارا متقدّمة، الأمر الذي قلّل من اعتمادها على الرجل، وأعطاها مساحة واسعة من الحرية والاستقلالية؛ حيث استغلّت ذلك في بناء شخصيتها وامتلاكها لقراراتها ومصيرها مستغلّة ما تقدّمه الحركات النسائية العالمية والمحلية من دعم ومساندة.وأدّى انفتاح المرأة على العوالم المختلفة إلى اكتشاف موهبتها وخصوصيتها، لا سيما في مجال الإبداع الأدبي، على أساس أن الإبداع ليس مداره الإقصاء بل الاستحقاق الذي يقيس قدرة المرأة على فرض إبداعها على المتلقي واستقطابه والتأثير فيه بشكل قويّ. وهو ما أثرى الساحة الأدبية بنصوص شعرية وروائية وقصصية ومسرحية ذات حمولات أنثوية متميّزة ، و تألقت أسماء من قبيل سيمون دوبوفار و جيليا كريستيفاو مارغريت يورسنار و غادة السمان و أحلام مستغانمي و خناثة بنونة و مليكة العاصمي و مليكة مستظرف و ليلى أبو زيد و فاتحة مرشيد و غيرهن .
ومهما يكن من أمر، يستخلص محمد البوركي أن الكتابة النسائية، شكّلت إضافة نوعية مهمة للإنسانية كافة، إذ أضفىت نوعاً من التوازن في الرؤية إلى العالم، والتي ظلت ذكورية بالكامل لقرون عديدة، كما أنه يشير إلى كفاح المرأة من أجل المساواة، ويحارب النظرة النمطية التشييئية غير الإنسانية، و يؤكد أن النساء يمثلكن صوتا خاصا بهن يتبلور في كتاباتهن لا يختلف كثيرا عن صوت الرجال قوة و جرأة.
أما رضوان المتوكل فيقول بأن الكتابة النسائية قد اقترن الحديث عنها بالتطورات الأخيرة في شتى المجالات والتي بوأت المرأة مكانة مهمة، حتى أنها صارت تنافس الرجل في العمل والدراسة والفكر والكتابة وغيرها، مما جعلنا أمام كتابة إبداعية جديدة أطلق عليها الكتابة النسائية.
ويستفيض في شرح وجهة نظره قائلا إن الحديث عن مفهوم الكتابة النسائية يثير منذ الوهلة الأولى إشكالا غاية في الأهمية، حيث نجد تعددا في تسمية ما تكتبه المرأة، فهناك من يطلق عليها ” الكتابة النسائية”، وهناك من يسميها ” بالكتابة النسوية”، وهناك من قال عنها ” كتابة المرأة”، وهناك من يحلو له تسميتها ” بالكتابة بتاء التأنيث”، ورغم هذا الاختلاف الكبير في التسميات، فإن الأمر يرتبط بالدرجة الأولى بجنس من يكتب، وهذه التسمية في حد ذاتها أثارت بلبلة وجدلا واسعا ونقاشا مستفيضا بين كثير من النقاد والمهتمين بالشأن الثقافي، حيث نجد وجهات نظر متباينة من لدن النقاد، إذ يقول بعضهم أن الأدب لا يقاس بجنسه لكن بجودته وما يقدمه من معرفة وإضافة، ويقول البعض الآخر أن الأدب رؤية إنسانية لا تنتمي لا إلى المؤنث ولا إلى المذكر، وفي الضفة الأخرى يدعو البعض إلى استقلالية الكتابة النسائية، وتميزها بخصائص متفردة مقارنة بإبداع الرجل، وينطلق أصحاب فكرة استقلالية الكتابة النسائية عادة من منطلق حركات سياسية واجتماعية تدافع عن التحرر وعن حقوق المرأة وعن جدارتها، وهناك من المبدعات والكاتبات من انخرطن في هذه الموجة أو الموضة المستجدة باندفاعية كبيرة أحيانا عن وعي، وأحيانا أخرى عن غير وعي، أو من منطلق عاطفي محض، وقد ظهر في خضم كل هذا نقد نسوي سعى إلى هدم وتقويض فكرة التمركز حول الذكورة، والقضاء على هيمنة السلطة البطريركية الأبوية، وتحرير المرأة من سلطة المجتمع الذكوري، وتأسيسا، على كلما سبق، قد نعرف الكتابة النسائية بأنها ذاك الإبداع الذي تكتبه المرأة في شتى الأجناس الأدبية شأنها شأن الرجل، وذلك للتعبير عن ما يخالجها، أو لإثارة قضايا عدة.
ونحن نتحدث عن الجدل الكبير الذي رافق مفهوم الكتابة النسائية نجد لا شك إنجازات إبداعية مهمة حاولت من خلالها كاتبات مبدعات إثبات الذات والكتابة في عديد من القضايا والموضوعات الشائكة، وحتى اقتحام عوالم مختلفة بجرأة كبيرة قد لا يصلها حتى إبداع الرجل سواء في النقد أو الرواية أو غيرها، سنشير، هنا، إلى بعض النماذج كفيرجينيا وولف، ورضوى عاشور، وهيفاء بيطار، ويمنى العيد، وليلى العثمان، ورجاء العالم صاحبة رواية ” طريق الحرير”، وأحلام مستغانمي صاحبة رواية ” ذاكرة الجسد” ، ولعل تجربة فاتحة مرشد تعد رائدة ومائزة في الكتابة النسائية في المغرب من خلال ثلة من رواياتها من قبيل “مخالب المتعة”، و”الملهمات”، و”لحظات لا غير”.
فيما رأت حبيبة خيموش أن المرأة تكبدت عناء البحث عن بريق أمل في مجتمع ذكوري فكانت رحلتها أشبه برحلة المستكشف كريستوف كولومبوس غير أنها لم تكتشف مناطق جديدة وإنما اكتشفت في كل مرة أعماق أعماقها وقدرتها وقوتها التي لاتقل عن غيرها، فكان سلاحها في هذه الرحلة هو الكتابة، فالكتابة النسائية هي حقل أدبي حديث أثار ضجة بين مؤيديه ومعارضيه وتشكلت رحلة البحث عن أدب يرسخ لانتاج ببصمة المرأة .
فاختلفت الأراء وتباينت حول الكتابة النسائية وهذا الاختلاف مس كثيرا إشكالية التسمية فهناك من يذهب إلى أن الكتابة النسائية هي التي تكتبها المرأة وتتميز بموضوعاتها وأساليبها وعد مصطلح الكتابة النسائية مفهوم شمولي واقترح مفهوم يناسب النازلة فكان مفهوم” الكتابة النسوية” هو المقصود، وهناك من ذهب لمصطلح آخر وهو الأدب النسوي وهو ذلك الأدب الملتزم الذي يحمل رسالة الدفاع عن حقوق المرأة وفي رأي آخر يرى أن الأدب النسوي يشكل لديه نفورا واشمئزازا ويدعوا الى استخدام مصطلح آخر بديل هو الكتابة النسوية ،كل هذا السجال لم يقف حاجزا في وجه ماحققته المرأة الكاتبة من ابداع وهي تسعى لاتباث الذات حيث تشكل جيل كبير من الكاتبات عملن من خلال ادراكهن لخصوصية وضعيتهن كنساء ، وجوهر الاختلاف الذي طور هذه الكتابة وأغناها فتميزت بخروجها عن الأعراف الذكورية وتناولت الأدب من وجهة نظر مغايرة ، فلمعت في سماء هذه الكتابة العديد من الأسماء منها جوليا كرستيفا ورضوى عاشور واحلام مستغانمي وليلى ابو زيد وخناتة بنونة ومليكة مستضرف وغيرهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق