زاوية الابداع

وأد البراءة

ماروك بريس:

سكان القرية ينامون باكرا، لكن سكان المدينة لا يغمض لهم جفن… انتقلت سعاد من القرية إلى المدينة في سن الحادي عشر، يرجع سبب الانتقال إلى رغبة الأب في الاقتراب من عمله و تكسير بعد المسافة التي يقطعها كل يوم من القرية إلى المدينة.

سعاد؛ فتاة جميلة ذات عينين ساحرتين و شعر طويل يسافر في كل الدنيا ، تتوفر على كل المقومات الجسدية، لكنها تفتقد إلى أهم المقومات العاطفية، لكونها يتيمة الأم التي توفيت بسبب مرض عضال وتركتها صغيرة لا تتجاوز خمس سنوات من عمرها .

يومها أقسم العربي  بأنه لن يفرط فيها و سيوفر لها كل شيء تحتاجه و يحاول أن يعوضها عن أمها التي ماتت في ريعان شبابها.

كان العربي يعمل في النهار و يعود للبيت في المساء، في حين تبقى سعاد اليوم بأكمله في البيت و تنتظر حتى عطلة أبيها من العمل  كل يوم الأحد، ليخرجها في نزهة أحيانا على شط البحر و أحيانا أخرى إلى قلب المدينة ليشتري لها ملابس جديدة و يتناولان وجبة العشاء في أحد المطاعم، ثم يعودان مثل حبيبين في بداية علاقتها_ بتأكيد قبل الزواج _اقترب موعد بداية السنة الجديدة للدراسة، اشتري لها العربي كل ما تحتاجه دون استثناء.

بدأت سعاد الدراسة في مدرسة عمومية كجميع أبناء الشعب، في اليوم الأول لها داخل القسم أبانت سعاد عن اجتهادها و نشاطها داخل القسم، هذا الأمر دفع مدرس الفصل إلى طرح السؤال الآتي :

_ أين كنت تدسين قبل؟

تجيب سعاد بطلاقة :
_ في البادية يا أستاذ
يبتسمون أصدقاءها داخل القسم ابتسامة احتقار… لا تبالي سعاد للأمر و تستأنف كتابة الدرس.
عند خروجها من القسم متجهة نحو المنزل يعترض سبيلها مجوعة من زملاءها و يعنفونها، تبكي، تهرب، و تتألم…
فالصراع بين أبناء القرية و أبناء المدينة هو صراع أزلي.
استمر الأمر لمدة شهر تقريبا،  فأخبرت العربي بما يحدث لها عندما تذهب إلى المدرسة، استمع لها بامعان، ثم عاتبها على عدم بوحها له بالأمر منذ الوهلة الأولى. فكر العربي مليا ،و بعدها وجد الحل الأنسب؛ البحث عن زوجة بغرض الاهتمام بسعاد و بعد ذلك به، فسعاد وسعادتها كانت دائما من أولوياته.
تزوج العربي بفتاة تصغره بعشرة سنوات و أمنها على سعاد بغية الاهتمام بها. أضحت زوجة أبيها تأخذها إلى المدرسة التي لا تقع بعيدا عن المنزل كل يوم، و تنتظرها عند خروجها أيضا.
شعرت سعاد ببعض من الآمان و استراح جلدها من عنف زملاءها.
بعد شهر من الزواج انقلب الود إلى كره و أمسى جلد سعاد يسوط بالمدرسة و في المنزل من قبل زوجة أبيها.
ها هي بداية العراك الحقيقي و بداية الضياع الأزلي لسعاد التي قررت التستر على ما تفعله بها زوجة أبيها و عدم البوح به.
بعد مرور سنة انتهت السنة الدراسة، سعاد تأتي في المرتبة العاشرة في ترتيب القسم، هذه المرتبة لم تكن متعودة عليها، كانت دائما توجد في مقدمة الترتيب عندما كانت تدرس بالبادية. دخلت في حالة اكتئاب بسبب النتيجة التي حصلت عليها و لم تعد لها الرغبة في الحديث.
في الفترة نفسها مرض العربي مرضا شديدا لم يجد السبيل لنجاة منه فبعد شهر من المقاومة يأخذ المرض العربي، ويترك سعاد وحيدة في مدينة أنيابها لا تعرف معنى الرحمة، بدأت زوجة أبيها برفع وثيرة التعذيب حتى قررت سعاد أن تغادر المنزل مكرهة لا بطلة. شوارع المدينة ترحب بكل جديد خصوصاً عندما يكون جميلا، فأمثال سعاد تنتظرهم أنياب الأسود البارزة التي تعشق اللحم الفتي حتى الثمالة، مرت الأيام و صوت الريح الشتوية يلسع سعاد كل صباح و كل مساء ، عيون الأسود و الذئاب بدأت تترصد لفتاة لا تتجاوز خمسة عشرة سنة حتى تمكنت منها بكل سهولة  وعندها  أمست سعاد مثل الجلد المدور يركله الصغير و الكبير الجاهل و العالم… شرفها بدأ يبيع نفسه أحيانا بالمقابل و أحيانا أخرى تحت التهديد دون دراهم. مرت سنة من الضياع و التشرد، بطن  سعاد بدأ ينتفخ و المسؤول عن عملية النفخ شخص مجهول لم يترك بصماته أثناء التفريغ، عندها استشعرت درجة الخطورة و وجدت  نفسها تعيش  الوحدة أكثر  من أي وقت مضى، في الشهر التاسع من الحمل تلد سعاد كما تلد جميع النساء في العادة. المولودة كانت طفلة لا تختلف عنها جمالا وكلاهما يتشاركان خصيصة البراءة و بطش الزمن لم تفكر سعاد مليا وضعتها في علبة كبيرة من الكارتون و تركتها بقرب حاوية للأزبال، و انتحرت بالقرب منها بضربت سكين على القلب.

بقلم : عبد المالك أجريري

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق