زاوية الابداع

تحليل رواية “على ضفاف البحيرة” على ضوء محور الطبيعة و النشاط الإنساني

ماروك بريس:بقلم:أمين أنيس

قادنا الكاتب المغربي مصطفى لغتيري عبر روايته الرائعة المعنونة ب”على ضفاف البحيرة” في رحلتين.
أولاهما رحلة في ذاكرة محسن، رب أسرة متكونة من ثلاثة أفراد، و ممتهن للهندسة المعمارية. سلمه الكاتب القلم في أربعة فصول من أصل عشرة، ليروي لنا ما استرجعه من ذكريات تدمي القلب، متمثلة في وفاة زوجته أسماء و فلذة كبده شمس في حادث سيارة مأساوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الشيء الذي جعله يتوقف عن العمل لشهور عديدة، حدادا على روحهما، و عتابا لنفسه التي يحملها كامل مسؤولية موتهما، خاصة رفيقة دربه التي تلفظت أنفاسها الأخيرة بين ساعديه دون أن يقوى على فعل شيء. قبل أن يستأنف العمل، مستحضرا على الدوام أسرته الصغيرة التي وصفها بالنبراس الذي يستضيء به، أو بتعبير آخر، القنديل الوهاج الذي سيخرجه من البحيرة الملعونة الحالك ظلامها، و التي أغرق نفسه بها لمدة ليست بالقصيرة. هذا ما أرجعته تلك القدرة الدماغية لمحسن، و نخص بالذكر الذاكرة، ليرويه لنا في مزيج من الحنين و الحسرة و التأنيب، التي جعلتنا أكثر حزنا مما هو عليه.
أما الرحلة الثانية، فهي رحلة في الطبيعة، رحلة في الأطلس المتوسط المتسم بجماليته و نضارته و هيبته، حيث تقع بحيرة “ألكمام أزكزا” ، التي خيم محسن رفقة زوجته و ابنته الشاعرة على ضفافها، و قد سحر و أغرم محسن بتلك المناظر الطبيعية الأخاذة التي تقف الكلمات عاجزة عن وصفها. و مما لا شك فيه أن هذا الوله و العشق انتقل وراثياإلى ابنته شمس، فكما يقال: “هذا الشبل من ذاك الأسد”، و هنا تتضح أولى العلاقات التي تجمع بين الإنسان و الطبيعة ألا و هي علاقة خضوع، حيث لم تستطع الفاعلية الإنسانية التدخل في العوامل الداخلية الوراثية للطبيعة، بل خضعت لها.هذاما جعل الضرغام و صغيرتهمتحمسين و على أحر من الجمر لهذه الرحلة إلى عمق جبال الأطلس، عكس اللبوءة أسماء التي رفضت البتة القيام بهذه الرحلة المشؤومة، إلا أنها انتهت بالرضوخ حباو حماية لزوجها و ابنتها المتهورين، خاصة و هي على دراية بالطرق الوعرة هناك و كذا المنعرجات المحفوفة بالمخاطر، و هنا تبرز إحدى الموضوعات التي سعى الكاتب لإبلاغها لنا، ألا و هي التهميش الذي تعاني منه المنطقة، الشيء الذي دفع بعض سكانها إلى امتهان الدعارة، بينما حافظت الأسر المحافظة على سمتها.هذا و قد أشاد “مصطفى لغتيري” بصوت صاحب المقهى بالدور الهام الذي لعبه سكان ذلك القسم الجبلي المغربي في طرد المستعمر بقيادة موحا أوحمو الزياني.
و في نفس الإطار، تجدر الإشارة إلى أن الكاتباغتنم الفرصة لتسليط الضوء على تأسي الدولة بالمستعمر الفرنسي، نظرا لتقسيمها البلاد لمغرب نافع و آخر غير نافع كمنطقة “زيان”، موضحا بذلك العلاقة الثانية التي تربط بين الطبيعة و النشاط الإنساني داخلها، و هي علاقة نفعية محضة، علاقة استغلال و سيطرة، حيث أضحى الإنسان، أو بالأحرى أضحت الدولة تستغل خيرات تلك المنطقة الجبلية، بشرية كانت أم طبيعية، دون تكليف نفسها مجرد عناء التفكير في فك العزلة عنها باعتبارها محاصرة جغرافيا.
في حين تكمن ثالثة العلاقات التي تقرن بين الإنسان و الطبيعة، على سبيل المثال، في تلك التي تربط محسن و شمس مع الطبيعة، و يكونان بذلك شبيهي الفلاسفة الأيونيين، حيث يتأمل الأب و ابنته الطبيعة بتضاريسها و مجمل مواردها، و يستمتعان بها أيما استمتاع، فهاهي شمس تلتقط صورة هنا و هاهي تنظم قصيدة هناك، و هاهما كلاهما يسبحان في البحيرة… و مما لا شك فيه أن المهندس المعماري و الشاعرة الصغيرة ينصتان إلى معشوقتهماالطبيعة و يخضعان لها و لجمالها الذي يكتم الأنفاس.
و لكن يبقى السؤال المطروح هو: هل فعلا حققا الغاية المثلى من الحياة، ألا و هي السعادة؟ شخصيا، أرى أنهما لم يتمكنا من ذلك. فكل ما عاشاه على ضفاف البحيرة لم يكن إلا لحظات فرح عابرة، نفضتها ثوان معدودة، ففي لحظة غضب، وقع ما وقع، و وافت شمس المنية، متبوعة بأمها أسماء، التي بلغ سيلها الزبى، فقررت معاقبة ابنتها، غير أن ذلك كلفهما حياتهما.و ذرف محسن دمعا سخينا، و تمزق قلبه إربا إربا.
و من أدرانا أن هذا الرجل لن يسير على خطى الأيونيين؟ حيث أن لحظة العلم الحديث شكلت منعطفا حادا غيرت نظرتهم للطبيعة، و منه فمن الأرجح أن يتأثر محسن بهذه الفاجعة،التي، إلى جانب تغييرها لمجرى حياته، ستغير بدورها نظرته إلى محبوبته الطبيعة بدعوى أنها سلبت منه أعز ما يملك، من نظرة تأملية متيمة، إلى نظرة مغيظة ثائرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق