الأدب الفانتاستيكي ما بين الغريب والعجيب
نشر الأربعاء 27 ماي 2020

ماروك بريس:بقلم”مصطفى لغتيري”

اختلف الدارسون في تعريف الفنطاستيك، نظرا لعدة أسباب، من أهمها تداخل عدة معطيات في تعريفه، بعضها نظري وبعضها الآخر تطبيقي، يتعلق تحديدا بالمنجز الأدبي في هذا المجال، ويزداد هذا الاختلاف حدة خلال تعريب المصطلح، إذ يتم في هذا الصدد الخلط ما بين مصطلحي الغريب والعجيب.

ومن أجل تحديد نقط الاختلاف والائتلاف ما بين المصطلحين ومن ثمة الوقوف عند معنى الفانطستيك، طرحنا الإشكال على مجموعة من المهتمين بالمجال الأدبي، فتعددت الأجوبة، إذ اتفقت في أشياء واختلفت في أخرى، ليبقى الغموض سيد الموقف.

وفي محاولة منه لحل هذا الإشكال قال الأستاذ رضوان المتوكل يمكن تعريف الفانتاستيك أو الأدب العجائبي بأنه ذاك التردد الذي يصيب المتلقي، الذي لا يعرف غير القوانين الطبيعية، ولا يؤمن إلا بها على حد قول عملاق النظرية النقدية الغربية تودوروف. وبناء، على هذا التعريف سنقف، أولا، عند التفريق بين مفهومي الغرائبي والعجائبي، وثانيا عند بعض نماذج استخدام هذا المفهوم لدى بعض الأدباء العرب. ليخلص إلى أنه يقع، عادة الخلط بين مفهومي الغرائبي والعجائبي، لذلك، وجب توضيح الفرق بينهما، حيث أن الغرائبي يرتبط بأحداث ما غير واقعية، لكن رغم ذلك فهي تحترم قوانين الطبيعة، ويمكن بناء عليها أن تفسير هذه الأحداث أو الوقائع، أما العجائبي فيرتبط بأحداث غير واقعية، لا يمكن تفسيرها انطلاقا من قوانين الطبيعة السليمة، مما يعني قبول قوانين جديدة مخالفة للطبيعة، لكن يمكن تفسير هذه الأحداث من خلالها.

وتأسيسا، على ما سبق، فإننا-يضيف الأستاذ المتوكل- نجد الفانتاستيك حاضرا وبقوة في الأدب العربي، نعطي مثالا من الأدب العربي، من خلال رواية ” أبناء السماء” ليحي القيسي، والتي تستثمر الفانتاستيك بشدة، من خلال بطل الرواية الذي يعمد إلى مراجعة كثير من المسلمات وإعادة النظر فيها وأسطرتها. أما في الرواية المغربية، فسنقف عند الميلودي شغموم، باعتباره روائيا عمد إلى توظيف الفانتاستيك في بعض رواياته، وبخاصة، في رواية ” عين الفرس”، والتي مزج فيها بين المعقول واللا معقول من خلال شخصياتها مثلا التي تولد وتموت، وتبعث مجددا، وتموت، وهكذا دواليك، ومن خلال أحداثها ووقائعها، وغير ذلك.

فيما قال الأستاذ محبي محمد إن كلا المصطلحين، الغرائبي والعجائبي يشتركان ويتقاطعان في دلالتهما، التي هي الخروج عن المألوف والقاعدة. هذا ما جعل الدارسين – في رأيه- يختلفون في تعريف مصطلح الفانطستك. لكن هناك شروطا لكل واحد من المصطلحين، لابد من توفرها لتحقيق السرد الغرائبي أو السرد العجائبي. وهذا الأخير يتضح اذا قرر القارئ أنه ينبغي قبول قوانين جديدة للطبيعة. والجنس الغرائبي يكون إذا قرر القارئ أن قوانين الطبيعة تظل سليمة، وتسمح بتفسير الظواهر الموصوفة .

أما الأستاذة مينة منتصرفقالت “في بدايات قراءاتي كنت أعتبر لفظتي”غريب”و”عجيب”مرادفتين لمعنى واحد، الأمر الذي فنده المعجم إذ الغريب هو الشيء غير المألوف أما العجيب فهو الشيء المدهش. ورغم ذلك فقد كنت أحتار في وسم مقروءاتي بالغرائبية أو العجائبية. إلى أن أطلعت على المقياس الذي وضعه تودوروف. ومفاده أنه إذا طالت مسافة التردد بيني وبين التصديق أدركت أن السارد أخذني إلى العجائبية، أما إذا قصرت، فهمت بأن الكاتب قد ألقى بي في الغرائبية. وكثيرا ما استوقفني تماثل العناصر المؤثثة لفضاء الفانطسنيك في الرواية الغربية مع محركات الغرائبية والعجائبية في السرد العربي. فقد عمد غبريال غارسيا في روايته مائة عام من العزلة إلى توظيف بساط يطير وأزهار تسقط من السماء ونبوة مبهمة وخرافات لتحقيق الفانطسنيك. كما وظف الروائي صلاح حسن في روايته “ثمانون عاما للبحث عن مخرج” بيتا مهجورا وحيوانات متكلمة وأهوال غريبة.

وحين جاء دور الأستاذة فدوى الجراري عبرت عن رأيها بقولها إن مجموعة من الأعمال الأدبية ارتكزت على الفانتازيا بمختلف شعبها كأسلوب فني لشد انتباه القارىء حتى النفس الأخير. وتوجه الأدباء إلى اعتمادهم على الفانتازيا مرده إلى أن هذا النوع يضمن لهم التحرر من قيود المنطق والشكل، والاعتماد الكلي على الخيال الواسع و إطلاق سراحه في عوالم المعقول واللامعقول، بحيث تطبع الأحداث الغرائبية و العجائبية و تغيب فيها الواقعية التي قد تحصر العمل في زمان و مكان محددين، مما يجعل الإثارة و التشويق روح العمل ونفسه، ومن بين الأعمال العالمية التي لبست ثوب الفانتازيا نجد رواية دراكولا لصاحبها برايم ستوكر ذلك العمل الذي حظي بشهرة واسعة وتحول إلى أعمال مجسدة سنيمائيا، حيث برع الكاتب في المزج الخيال بالرعب بالغرابة و سافر بقراءه إلى عالم صعب التصديق، كما نجد من الكتاب من ارتكز على الأساطير و الخرافات لبناء نسقه الحكائي ونستحضر في هذا الصدد رواية “عايشة القديسة” لصاحبها مصطفى لغتيري حيث وجدنا الأسطورة الشعبية المغربية هي المحرك الأساسي للعمل الأدبي، ومن المشرق نستحضر رائعة نجيب محفوظ ليالي ألف ليلة و ليلة التي استمد روحها من الحكايا الخيالية لشهرزاد و شهريار.

أما الأستاذ عثمان السلماوي فيرى أن الدارسين قد اختلفوا في تعريف الفانطستيك؛ فمنهم من يرى أنه صنف آدبي مجهول المؤلف. يتميز بتمازج الحقلين الواقعي والخيالي أو ما يسمى فوق طبيعي؛ وبتداخل هذين الحقلين يتأسس لنا عالم عجائبي. كما أن عجائبية الحكاية تتحقق من خلال أحداثها وشخوصها، وفضائها، وأيضا اللغة التي تتداخل مع هذه المكونات لتضفي لنا طابعا عجائبيا. وهناك اختلافات كثيرة في تحديد الفرق بين ماهو غرائبي وماهو عجائبي. العجائبي والغرائبي مترافقان في العمل السردي ،فالغراءبية هي الامور الغريبة في السرد لكنها قابلة الحدوث، والعجائبية هي أيضا امور غريبة في السرد لكنها غير قابلة الحدوث. ومن بين النماذج الأدبية لهذا الصنف نجد خير مثال حكايات آلف ليلة وليلة، مثلا في موضوع السندباد البحري أن نقول النسور تلتقط اللحم وبه يلتصق الالماس هذآ شيء غريب، ولكن العجيب أن يأتي طائر الرخ لينقذ السندباد البحري من وادي الافاعي. إلا أن ماصادفه من طيور كطائر الرخ يبقى عجائبيا. وهناك أيضا كليلة ودمنة لصاحبها المقفع والأمثلة عن ذلك كثيرة.

وقد ختمت هذه الأراء الأستاذة فاطمة الحسن التي قالت بأن الفنطستيكي/العجائبي، هو ما يتجاوز الواقع و المنطق ليسبح بالمتلقي في عوالم اللاواقع و اللاعقل بالاعتماد على التغريب والتعجيب. وهو يعتمد على الخيال بتغيير أشكال الشخوص ، بتشويهها وتمسيخها. ولذلكيوقع المتلقي و البطل نفسه في حيرة بين الواقع و الخيال.

من بين كتاب الفنطستيكي الغربيين تذكر الأستاذة فاطمة على سبيل المثال لا الحصر ستيفن كين و إدغار ألان بو.