ظاهرة تشغيل الأطفال وانعكاساتها على الفرد والمجتمع.
نشر الإثنين 24 فبراير 2020

ماروك بريس:فدوى هاشم

بداية يمكن تعريف تشغيل الأطفال بأنه كل عمل أو نشاط يحرم الأطفال من طفولتهم أو يضر بصحتهم العقلية والبدنية، أو يعيق نموهم السليم والطبيعي، وهو ظاهرة اجتماعية سيئة تتفشى على الخصوص في مجتمعات الدول النامية.

فماهي الأسباب الكامنة وراء بروز هذه الآفة؟ وماهي انعكاساتها على الفرد والمجتمع؟ وكيف يمكن التصدي لها؟

لاشك أن ظاهرة تشغيل الأطفال تعد من أخطر الظواهر المنتشرة في مختلف المجتمعات، لكنها تختلف من حيث الحدة باختلاف الأوساط والمجتمعات، وهي تستهدف بالخصوص الفئة العمرية التي لم تتجاوز 18عاما، سواء كان العمل الذي تمارسه جبرا أو طواعية من الطفل نفسه، لأن الطفل في جميع الأحوال قاصر في هذا العمر ولا يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات شخصية سليمة.

وفي رأيي المتواضع يرجع تفشي هذه المعضلة إلى مجموعة من الأسباب أهمها:

– الفقر أو الحاجة إلى مصادر دخل إضافية، تدفع بالأسرة إلى إخراج أطفالها إلى الشارع بحثا عن العمل من أجل الإعالة وفي المقابل ترك المدرسة

-التفكك الأسري: بسبب التفكك الأسري والمشاكل المستمرة يجبر الطفل على العمل هربا من هذه المشاكل والضغوطات النفسية التي يواجهها في البيت.

-إنكار العديد من الأسر والعائلات لحقوق أطفالها في التعليم والدراسة، مما يجعلها ترى أن تشغيلهم أمر مقبول،واقتناع العديد منهم بأن المدرسة والتعليم لن يجلبا لأطفالها النفع والفائدة.

-الانتقال المستمر للأطفال المهاحرين وعدم استقرارهم في مكان محدد، مما يمنعهم من التسجيل في المدرسة، وبالتالي التوجه نحو العمل.

بالإضافة إلى هذه الأسباب، هناك أيضا أسباب ثانوية مثل رفاق السوء الذين يشجعون الأطفال على ترك المدرسة وولوج سوق الشغل، فضلا عن قبول أرباب العمل تشغيل هذه الفئة نظرا لقبولهم براتب بسيط وتحملهم لساعات العمل الطويلة، دون أن ننسى الاشارة إلى أن هذه الفئه تكون سببا غير مباشر في مشكلتها، فهي أحيانا ترغب في العمل من أجل التقليد، أي تقليد من هو أكبر سنا لانهم ينظرون إليهم نظرة إعجاب كونهم يعتمدون على أنفسهم بدل أخذ المصروف من الآخر. وتحضر في هذا الصدد المفاهيم الشعبية والعادات والتقاليد التي تساهم بشكل أو بآخر في تفشي الظاهرة، على اعتبار أن العمل جيد للطفل من حيث بناء الشخصية وتنمية مهاراته، او التقاليد التي تتوقع من الأطفال اتباع خطى والديهم في مهنة معينة، وتعلم ممارسة تلك المهنة في سن مبكر جدا.

وغني عن البيان أن كل هذه الأسباب التي أدت الى تفاقم الظاهرة أدت أيضا الى مجموعة من الانعكاسات السلبية سواء على مستوى الفرد او على مستوى المجتمع من أبرزها:

-الجانب التعليمي: حيث نجد هؤلاء الأطفال لا يلتحقون بالمدارس او تلتحق منهم نسبة قليلة، لكنها لا تستطيع التوفيق بين العمل والدراسة، ويعانون في أغلب الأحيان من ضعف الأداء المدرسي.

-الجانب الصحي: جل الدراسات أجمعت على قابلية تعرض هذه الفئة لبعض المخاطر نظرا لقلة خبرتهم ونقص النضج الجسدي،كما يمكن للطفل العامل أن يتأثر نفسيا من خلال فقدانه الاحترام لذاته مما يشعره بالاحباط والظلم،وبالتالي يسخط على أسرته التي كان سببا في عمله وعلى المجتمع أيضا.

-التأثر الاجتماعي والاخلاقي:قد يؤدي انخراط الطفل في سوق الشغل مع الكبار الى انخفاض مكانته الاجتماعية وتدني علاقته مع الآخرين، واكتساب سلوكيات الكبار التي لا تتناسب مع سنه.

بناء على كل ما تقدم يمكن القول بأن هذه الظاهرة مؤشر على خلل اجتماعي كبير، لأن الطفل يحتاج إلى علاقات إيجابية وإلى بيئة يملؤها اللعب والمرح وعدم المسؤولية من أجل الازدهار بشخصيته والشعور بالثقة، وذلك لايتحقق إلا بقضاء وقته مع عائلته ومع أقرانه، لذا وجب التصدي لهذه الظاهرة والقضاء عليها نهائيا عن طريق التكثل وتكثيف المجهودات لأن ماتشير اليه الأبحاث لايبشر بالخير. فمثلا البحث الذي أجري سنة 2017 وجد عدد الأطفال في أنحاء العالم كله والذين تتراوح أعمارهم بين 5و17 سنة حوالي 218 مليون طفل منهم 73 مليون يعملون في مجالات خطيرة.لذلك لابد أن يتحمل المجتمع مسؤوليته بجميع مؤسساته عن طريق توعية الناس بخطورة هذه الظاهرة، ووضع قوانين وأنظمة وعقوبات صارمة على أرباب العمل الذين يشغلون أو يحاولون تشغيل الأطفال دون السن القانوني، وتحسين الظروف المعيشية للأطفال الذين يعانون من الفقر، ومتابعتهم في المدارس للحيلولة دون تركهم للدراسة، كما يجب أيضا تقديم الخدمات النفسية للذين يعانون من التفكك الأسري والمشاكل الأسرية ومحاولة حل مشاكلهم بكل سرية وخصوصية، لأن هذه الفئة لها كل الحق في العيش الكريم الذي يتناسب مع مرحلتها العمرية، لتتمكن من النضج بشكل سليم وتصبح قادرة على خدمة المجتمع وتساهم رئيسي في تقدمه ورقيه، وقادرة بالتالي على تحطيم كل العقبات التي قد تقف عائقا أمام تنميته وازدهاره.