أهمية الفن في التنشئة الاجتماعية للطفل
نشر الإثنين 10 فبراير 2020

ماروك بريس:بقلم فدوى هاشم

الفن موهبة منحها الله لكل إنسان بدرجات متفاوتة، وهو نتاج إبداعي، إنساني، يلامس كل تمظهرات الثقافة الإنسانية، ويعد من الأمور التي ساهمت في تطور البشرية للأفضل، وهذه المساهمة تدعونا للتساؤل عن تجليات الفن ليس في حياة الإنسان البالغ فحسب، بل حتى بالنسبة للنشء كذلك. فماهو الدور الذي يلعبه الفن في حياة أطفالنا؟ وكيف يساهم في تنشئتهم وتكوين شخصيتهم وتطويرها بشتى انواعه؟

لاشك في أن الفن يلعب دورا مهما في المجتمع الإنساني، فهو يجعل الإنسان أكثر رقيا خاصة عندما يغدو وسيلة لإخراج أجمل ما في الروح الإنسانية عبر شكل من أشكاله الجميلة، كالموسيقى والكتابة والعزف والرسم وغيرها، ويعطي صورة جميلة للحياة ويتخطى كل الجوانب المادية التي بات يسعى وراءها الإنسان اليوم ناسيا ماهو روحي وإنساني. ونظرا لهذه المكانة والأهمية الكبيرة التي يحتلها الفن في حياتنا لابد من التوقف عند أهميته في حياة أطفالنا، هذه الأهمية التي تؤكدها العديد من الحقائق والأبحاث التي تتفق على أنه عامل مهم في نمو الطفل وتطوره، إذ يمكنه من التواصل مع العالم من حوله ويكسبه مجموعة من المهارات المتنوعة التي ستسهل عليه عملية التعبير عن نفسه ايضا، فالبعض يجعله مهما مثله مثل اللغة واللعب وباقي العناصر التي تجعل من الطفل إنسانا، وبعض علماء النفس يتفقون على أنه بمثابة وسيلة تساعد الطفل على التواصل مع الآخرين، فالرسوم مثلا لغة يتحاور بها الأطفال مع الكبار،فضلا من مساعدته في نمو هذا الكائن الصغير عقليا وفكريا ووجدانيا وجماليا واجتماعيا، وللاستدلال على أهمية الفن نستحضر ما قاله العالم الفيزيائي اينشتاين”لو لم أكن فيزيائيا من المحتمل ان أصبح موسيقيا، غالبا ما أفكر بالموسيقى،أحلام اليقظة لدي موسيقى،وأنظر إلى حياتي بدلالة الموسيقى، أجمل أوقاتي هي تلك التي اقضيها بالعزف على الكمان” وهنا يبرز جليا أن الفن بشتى أنواعه يكتسي أهمية كبرى لايمكن إنكارها خاصة أن بعض العلماء كانوا يستعينون به لفهم بعض الظواهر بشكل أعمق من خلال توفيره لهم بيئة حيوية تعمل على إيصال الأفكار المعقدة ووجهات النظر المعقدة كعلاقة الجينات بالشيزوفرينيا مثلا.

وإذا كان الفن وسيلة هؤلاء العلماء فلا جرم اذا اعتمدناه كمساعد في تنشئة أبناءنا مادام يضم العديد من المميزات، فهو ينمي طريقة التعبير عن المشاعر والانفعالات لديهم، فالموسيقى والرسم والتلوين وغيرها لهم دور كبير لفهم مكنونات الأطفال ودوافعهم ومشاعرهم حيث يعرفون على الورق مابداخلهم ويرسمون أحلامهم وأمنياتهم ومستقبلهم وبالتالي يمكن أن يؤدي الرسم إلى تحقيق التواصل معهم حيث يمثل انعكاسا لحقيقة مشاعرهم نحو أنفسهم والآخرين،كما أنه مفتاح لفهم العوامل النفسية وراء بعض السلوكيات، وربما هذا ما ولد فكرة استحداث التربية الفنية في المجال التعليمي واستخدم الفن التشكيلي في مقررات التعليم الدراسي مثل بقية مجالات المعرفة المدرسية، التي تحولت الى مقررات دراسية يتعلم فيه الفرد مجالات فنية متعددة كالتصوير والجرافيك و التصميم والزخرفة، كذلك يكتسب المهارات والتقنيات التي تنتج بها هذه المنتجات، إضافة الى تذوقه الفن وتطبيقه في الحياة للاستمتاع به.وعندما نتحدث عن الفن ودوره في تنشئة أبنائنا فإننا لانحصره على الاطفال الموهوبين فقط وإنما هو يعطي فرصة لجميع الأطفال للتعبير عن أنفسهم وهنا يصبح عملية وليس هدفا، وبالتالي يجب ان نترك الاطفال على سجيتهم وعدم إرغامهم على تطبيق الفن بشكله الصحيح وبقواعده الدقيقة، لأننا بهذه الطريقة نمنعهم من الاستمتاع ومن البوح عن مكنوناتهم التي تتكشف عبر تعبيراتهم الفنية سواء كانت رسما او رقصا أو كتابة او موسيقى…لأن الطفل لايجب أن يكون مثاليا فيما يفعل، ويجب أن ننظر الى مايفعله وماينتجه نظرة إستحسان لنحسسهم بقيمة إبداعاتهم التي عن طريقها يكتسبون بشكل غير مباشر مهارات متنوعة أهمها: التواصل الذي يغيب فيه الكلام أحيانا ويعوض برسم معين قد يوثق تجربة الطفل التي عاشها أو يعيشها، ولعل هذا ما اعتمده بعض الأطباء النفسيين بتوسلهم الرسم للتواصل مع الطفل الذي لايستطيع التعبير عن مشاعره بالكلام.بالإضافة الى مهارات أخرى كمهارات حل المشكلات التي يتعلم فيها الطفل مهارة حل المشكلات بطرق مبتكرة وفعالة وربط الأفكار بالصور إلى جانب المهارات الحركية المعرفية والعاطفية والتخيل والإبداع وضبط النفس.

لكل هذه المميزات التي يقوم بها الفن في تكوين شخصية الأطفال وتنشئتهم، يجب علينا أن نساهم بتوفير المستلزمات التي تساعدهم في مزاولة ميولهم الفني وخلق أنشطة فنية كي تكون فرصة يعبرون من خلالها عن رغباتهم وتطلعاتهم دون فرض معايير صارمة على ما ينتجون، لأن انتاجهم هذا عصارة مشاعرهم و عواطفهم تأخذ سماتهم الشخصية وتمثل خلاصة تفاعل وجدانهم مع ما يحيط بهم من طبيعة وأفراح وأتراح وهواجس وطموحات رافقت الإنسان منذ القدم ولازالت الى يومنا هذا.