تراتيل أمازيغية لمصطفى لغتيري أو مجد الأجداد الخالد.
نشر الخميس 7 نونبر 2019

ماروك بريس:فدوى الجراري
السفر عبر الزمكان واكتشاف خبايا الماضي سواء عبر الأساطير والخيال أو عبر سرد وقائع حقيقية بأسلوب يشد انتباهك، يحتاج منك رشفة قهوة وكتاب لمصطفى لغتيري، فأغلب كتبه إن لم أجزم كلها تجد فيها مبتغاك، ستعثر فيها إما على شيء من الأساطير أو من الخيال أو إعادة إنتاج حقائق واقعية من الماضي أو مزيج من كل هذا و ذاك، كما تجده يسلط الضوء أيضا على قضايا الحاضر ورؤى المستقبل، فقد حمل على عاتقه حماية إرث الماضي و إيصاله لقارئه خصوصا الجيل الناشئ منه بسلاسة و يسر ممزوجا بمتعة وتشويق كبيرين، فجل كتبه التي عانقتها عيوني فيها لمحة من تاريخ البلد، من أمجاد و بطولات الأجداد في مقاومة المستعمر الغاشم، و هذا ما يجعل قارئه يعيش بحاضره ماضي أسلافه و يحميه في فؤاده لمستقبله، وأستحضر هنا روايته “تراتيل أمازيغية” بالتخصيص والذكر، فهذه الرواية فيها من الحمولة التاريخية ما يجعلها تتلألق فخرا و اعتزازا بنخبة من أبناء المغرب الأجلاء المنتمين لسلالة الأمازيغ.
رواية فيها من كل فن طرف، مزج الخيال بالأساطير، بالتاريخ، بالأرض، مزيج أكسبها سحرا وروعة تجعلك تجري بين السطور أحيانا بسرعة الفرس أودجاك، تتمعن في بعض منها بتمعن الحكيم يفو، وتستمد ما تختزله السطور من عبر ما يجعلك قويا ثابتا حالما واثقا على غرار الأمير غيلاس.
تدور الأحداث حسب ما أشار إليها سياق الرواية لتاريخ ضارب في القدم، حيث كان المغرب آنذاك تحكمه المماليك الأمازيغية، سلاحها السيوف وجنودها فرسان باسلة وعقيدتها قرابين تقدم للآلهة، يؤمن أناسها بالأساطير ويتدارسون حكمها، شعارهم الخير والسلام، يزرعون الآمان وينبذون الحرب، إلا إذا تعارض الأمر مع كرامتهم وكبريائهم، حينئذ يقلبون الميزان ويعيدون ضبط الحسابات، ومثلما كان للتاريخ نصيب في الحبكة حضرت الجغرافية كمكان للسرد واختار له الكاتب الأطلس وما يزخر به من كهوف وسهول وسواحل.
أسس لغتيري مملكة من خياله وجعل عليها ملكا ساقته الصدف فكان ملكا وراعيا لا يهزم وكأنه ولد من سلالة الملوك يكون ملكا حكيما ورعا لا يقهر، فجعل مملكته تعيش في نعيم ورغد، وحباه الله من كل الخيرات، بما فيها سليلا يورثه مجدا فكان غيلاس أميرا وخليفة ملك، عاش طفولة متميزة ليست كباقي الأطفال، فالكل كان يتعامل معه بحذر وخوف فهو ملك المستقبل، فلم يكن أحد ينتصر عليه في الصراعات والنزعات الطفولية، الأمر الذي كان يمقته غيلاس، فعوض صداقتهم وأنسهم بفرسه أودجاك، وكان الحكيم يفاو نوره المنير في العلم و خبايا الكون، فخبر ما لم يخبر أحد من أقرانه، و تشبع من بحور المعرفة، ما جعله ذكيا فطنا قبل أوانه، غير أنه لم يستطعم من هذا شيئا فدائما ما كانت هناك حلقة فارغة في داخله لم يقوى أحد من المقربين منه على احتوائها حتى فرسه أودجاك الكاتم السري لكل خوالج نفسه ما كان ليسد تلك الثغرة، فحنينه للأنس ولرفقة وقرين من سنه يعامله الند للند، ظل يكدر عليه صفو عيشه، حتى لقاه القدر بعبد يباع على يد النخاسيين، ما إن وقعت عليه عيناه حتى استبشر فرحة، فهذا العبد هو ضالته المنشودة اشتراه ليكون الصديق والرفيق، ليكتشف بعدها أنه ابن ملك النيجر تاه في الفيافي ووقع أسيرا لدى تجار العبيد.
وهنا تتخذ الرواية سحرا من نوع آخر، حيث حضرت المغامرات بين الصديقين وأبهرونا بالمفاجآت واكتشافاتهما معا لأشياء غريبة وعجيبة منها مدينة النحاس المنسية، مواقف أبانت على أواصر الصداقة والمحبة والوفاء بين الخلين تبادلوا فيها خبايا النفس و آمال وأحلام المستقبل، وتبادلوا مع بعض الهدايا عربون الود والمحبة فأهدى أوسمان صديقه صدفة هي تميمة الحظ والآمان، وغيلاس منح صديقه نجمة في السماء رمز التطلع دائما إلى الأعلى، وكانت لرحلتهما معا أثرا كبيرا على شخصيتهما وزادتها قوة وثقة وقدرة على تحمل المسؤولية ومجابهة الصعاب، وهذا ما أهل غيلاس ليكون خلفا لوالده الملك بعد وفاته، وتولى قيادة مملكتهم وفق ما سار عليه سلفه بما فيها تقديم الأضاحي قربانا لآلهة الكهوف مستجديا منها الحماية والقوة والرعاية، فجعل رفيقه وزيرا له، ومن الحكيم يفاو مستشارا له.
غير أن حكمه لابد أن تتلبد سماءه بالغيوم، اختبارا له ولقدراته، فحدث ذلك إبان رغبة أخته في دعوة صديقة لها هي ابنة الملك شيشنق زعيم مملكة أمازيغية مجاورة، ليتم أسرها من طرف الرومان الذين استوطنوا الثغور الشمالية لبلاد الأمازيغ حتى يتم استيلائهم على باقي الأراضي، مستهينين بقوة الأمازيغ ففي اعتقادهم أنهم مجرد رعاع لا خبرة لهم في الأمور السياسية ولا في التكتيكات العسكرية، لكن غيلاس كان لهم بالمرصاد، فقد طفا لديه حماس الشباب وروح المسؤولية تجاه مملكته وشرفها كون الأسيرة هي ضيفة لمملكته وفي عهدته، ويتعهد لوالدها الملك باسترجاعها مهما كلفه ذلك من جهد وثمن، و هنا يتآزر غيلاس ووزيره أوسمان لوضع خطط مدروسة قصد الوصول للأميرة واسترجاعها، كمرحلة أولى بعد ذلك التكفل بطرد هؤلاء المحتلين لثغورهم الشمالية، ومن أجل هذا تأمل الملك في تحقيق حلمه بتوحيد المماليك الأمازيغية ولم شتات شملهم فأينما كانت شعابهم فهم من أصل واحد، قوتهم كفيلة بتلقين الرومان دروسا لن ينسوها، تزعزع ثقتهم بنفسهم، وتغير نظرتهم للأمازيغ فرغم أنهم شعب سلم وخير، لكن هذا لا يمنع أن يكونوا قادرين على خوض غمار الحروب.
انهزام الرومان أمام الأمازيغ توج بفرحة عارمة وبإقامة عرس ضخم لغيلاس بالأميرة توسمان ابنة الملك شيشنق وصديقه أوسمان على أخته توزين، ورغم جو الفرحة ظل غيلاس مشغول البال بالرومان و كيفية القضاء عليهم، دون الاعتماد على الأنصار والحلفاء من الأمازيغ المجاورين فقد أبانوا عن خوفهم من خوض الحروب وأعلنوا اتفاقات سرية مع الرومان حماية لمماليكهم، لكن غيلاس لم يثن من عزمه شيء فهزم الرومان رهانه الأكبر خصوصا بعدما أفداه أوسمان من عملية الاغتيال التي كان سيتعرض لها على يد أحد الأمازيغ الخونة، وهنا ستصبح قضية هزم الرومان ثأرا شخصيا سيسعى لتحقيقه حتى آخر نفس فيه، غير آمل في وحدة يأسرها الخوف والجبن والنفاق.
الرواية وإن كانت في قالب خيالي أسطوري، وإن كان غيلاس بطلا في مخيلة صاحبه لغتيري فهي تستحق القراءة والوقوف على رمزيتها، فهي تتضمن مجموعة من الرسائل المشفرة التي عودنا عليها لغتيري منها رد الاعتبار للأمازيغ أينما وجدوا وتفرقوا في القارة السمراء، وبأسلوبه البسيط المثقل بالمعاني مرر مجموعة من القيم التي على الإنسان أن يتحلى بها و يتصف بها منها وفاء وشهامة أوسمان تجاه صديقه غيلاس، فالصداقة هنا لها قيمة سامية وهي محور الرواية في أساسها (صداقة غيلاس وفرسه، صداقة غيلاس وأوسمان، صداقة توسمان وتوزين، …)، صبر توسمان على الشدائد و هي أسيرة، شجاعة توزين وتطوعها ضمن الفرسان لانقاذ صديقته، وهذا في حد ذاته رسالة أخرى توضح دور المرأة في المساندة والمآزرة بل حتى في القيادة، حلم الملك إكيلي على ابنه غيلاس، مسؤولية غيلاس اتجاه رعاياه ومملكته، أضف إلى ذلك أهمية العلم و البحث عن المعرفة للوصول إلى الحقائق خصوصا تجاه العدو حيث تمت الإشارة إلى الرومان وطرق تعاملهم ونظرتهم الدونية للخصم، وأهم رسالة وجهها لغتيري من خلال روايته لقرائه عبر العالم العربي بأسره هي أن الاتحاد قوة والتفرقة تشتت وضعف، ومراقبة العدو الحقيقي الكامن بالداخل منك وفيك و ليس ذلك الآتي من الخارج، وتلك هي النقطة التي تكسر ظهر أي إمارة ومملكة مهما كانت مجدها وقوتها.