أطروحة دكتوراه عراقية تشتغل على القصة المغربية”قصص مصطفى لغتيري نموذجا”
نشر الأربعاء 6 نونبر 2019

ماروك بريس:

ناقش الباحث كريم تاجي قبل أسبوع تقريبا أطروحته لنيل الدكتوراه في العراق ، وقداختار لها كعنوان ” تداخل الأجناس الادبية في الأدب العربي المعاصر، كما انها اختار بعض القصص من المتن القصصي المغربي في الجانب التطبيقي، ومما جاء في هذه الأطروحة:
1-3-4 القصة القصيرة جداً: جنس سردي يتصف بالقصر والتركيز والوحدة في شكلة وموضوعه, وبالاقتصاد والإيجاز والتكثيف في أسلوبه ولغته, وغالباً ما يعتمد على خصائص سردية درامية شعرية, متداخلة ومركزة.
تهيمن الخصائص السردية في الغالب, وهي التي تجعل النص (قصة) قبل كل شيء, كما تشير الكلمة الأولى في تسميتها الاصطلاحية الأكثر شيوعاً ومقبولية, ومن غير تلك الخصائص قد تفقد هويتها. ولا تقبل القصة القصيرة جداً المقدمات والتفاصيل والاستطراد والتشعب, في شكلها وموضوعها وأسلوبها وعناصرها السردية. وهي لا تُظهِر من تلك العناصر إلا المقدار الذي تحتاج اليه. يتم رسم الشخصية وتقديمها وتفاعلها مع الحدث أو الموقف بكلمات قليلة دالة, وغالباً ما تكون الشخصية أنموذجية نمطية (رجل, تلميذة, جندي, نحلة, غيمة, قلم, فكرة, عصفور) ونلاحظ أنها قد تكون رمزية أو معنوية. أما الحدث نفسه فهو مقتضب أولي بسيط غير مركب, لا يتقبل التراكم والتنامي والتفاصيل إلا بحدود ضيقة. وكذلك الظروف الزمانية المكانية فهي محددة جداً, لا تحتمل الآليات المعروفة في السرد, ولا يُذكر منها إلا الضروري المتصل بالفكرة المحورية للنص.
” الخلاص
أحدثت الطلقة صوتا مدويا، أفزع الطيور، فانتفضت هاربة وحدها عصفورة- كأنها تعاني من اكتئاب حاد – طارت في اتجاه الصياد، باحثة عن فرصة للخلاص.
متحسرا رفع الصياد عينيه، لمح العصفورة الضئيلة تحوم فوقه، استخسر فيها الطلقة، فتجاهلها.. لكن حين لاحظ إصرارها، تأملها لحظة.. وكأنها أوحت له بفكرة الانتحار، وجه فوهة البندقية نحو نفسه.. ثم ضغط الزناد.”( )
نلاحظ أن عنوانها يتكون من كلمة واحدة, وفيها شخصيتان, صياد وعصفورة, والطيور الهاربة أشبه بالكومبارس, يبدأ السارد بالدخول إلى الحدث مباشرة, صوت الاطلاقة, الذي ترتب عليه هرب الطيور, واختلاف سلوك العصفورة. الوصف موجز جداً, فقد تم وصف العصفورة بـ (كأنها تعاني من اكتئاب حاد). أما الصياد فهو شخصية نمطية غير مُعرّفة بصفات خاصة, لا نجد سوى كلمة واحدة (متحسراً) يمكن أن تعبر عن حالهِ في لحظة معينة. الفعل السردي يحصل بإيجاز وترتيب وإيقاع سريع, ويتمثل في؛ الاطلاقة, خوف الطيور وهربها, طيران العصفورة نحو الصياد. وينقل السارد هذه الخطوات من زاوية نظر العصفورة, ويعلق مفسراً فعلها, وأنها تبحث عن فرصة للخلاص. يتحول السارد وينقل الخطوات التالية من زاوية نظر الصياد, فهو يرفع عينيه متحسراً, فيراها ضئيلة لا تستحق اطلاقة, لكنه ينتبه إلى إصرارها, الذي يحرك شيئاً في أعماقه, ويحصل تأمل واكتشاف يؤدي إلى تغير حاد نحو نهاية يتأثر فيها الصياد بضحيته المحتملة, وينفذ ما فكرت به فينتحر.
حجم النص (الخلاص) قصير فهو لا يتجاوز بضعة أسطر, والقصة من مجموعة (مظلة في قبر) للقاص المغربي (مصطفى لغتيري) وتضم سبعا وخمسين قصة قصيرة جداً, معظمها مقارب لهذه القصة, منها قسم أقصر, وقسم أطول. تتجلى السمات السردية بوضوح, على الرغم من قصر النص, متمثلة في الفكرة والشخصيات والحدث. الزمن قصير يعينه تلاحق الأحداث, وحركة العصفورة التي كانت في مجال رؤية الصياد ومرماه, وطيرانها حوله, ثم قيامه بإطلاق النار على نفسه. لا يشير السارد إلى المكان بصراحة, ولكن يمكن استنتاجه, لا بد أنه غابة أو حقل أو مكان مشابه فيه طيور, ويمكن تعيين نقطتين مكانيتين, مكان العصفورة ومكان وقوف الصياد وما بينهما. ويعزز وجود السارد الخصائص السردية وهيمنتها, سارد خفي يتماهى مع العصفورة, ثم مع الصياد, وثمة ما يشير إلى وجوده, كالتعليق على الحدث وتفسيره, واستبطان الشخصيات ونقل ما يدور في أعماقها. ويظهر أيضاً في النص توظيف تقنية زاوية النظر السردية أو التبئير. ولا يخلو النص من ملامح درامية, تظهر في الفكرة المركزة, والتعارض بين الصياد والعصفورة, والمراودة, والكشف الذي يؤدي إلى نهاية درامية. أما الملامح الشعرية فهي أقل ولكنها موجودة, تظهر في التكثيف ورشاقة الأسلوب, وفي بعض المفردات والصفات, وتظهر في التركيب وما فيه من التقديم والتأخير والتوازي.
يؤدي التكثيف والترميز والايجاز والكشف, إلى اشراك القارئ, وإمكانية التأويل. ويمكن الإشارة إلى فكرتين في هذا المجال, الأولى في كلمة (الخلاص) التي وردت في النص وكانت عنواناً له أيضاً. ويأتي البحث عن فرصة للخلاص بسبب الكآبة الحادة, أياً كان شكله ووسيلته ونتائجه, فالعالم لم يعد مكاناً مريحاً للكائنات, صغيرها وكبيرها. الفكرة الأخرى تتمثل في التأثير والتواصل وانتقال المشاعر, وقد يؤثر الصغير في الكبير, الضعيف في القوي, غير العاقل في العاقل. وتتضمن الفكرة جانباً آخر, فالعصفورة التي تمنت الموت تؤدي إلى القضاء على مصدر الخطر.
1-5-2- وتبدو الشعرية واضحة في القصة القصيرة جداً (شهد الملكة) للقاص مصطفى لغتيري, شعرية في الأسلوب, والإيحاء, والفكرة, والمفارقة, والانفتاح على التأويل.
“من بعيد تراءت له الملكة تتقاطر عسلا ، و تجللها – ببهاء- هالة من نور .. بخطوات حالمة دلف نحوها.. دنا منها .. مرتبكا مد سبابته ..أغمض عينيه و غمس الأصبع في العسل.. تذوق قطرة واحدة ، فغدا العالم من حوله بطعم، أبدا لم يعد قادرا على تحمله.”( )