“ذهول ورعدة” الوجه الآخر لليابان، بعيون أميلي نوتومب
نشر الإثنين 4 نونبر 2019

ماروك بريس:

تفرض علينا الحياة أن نزهر في بيئة لا تربطنا بها أي غير أننا ولدنا فيها، ولزاما علينا أن نتأقلم مع جوها و نتكيف مع محيطها، واقع مصغر جسدت حكايته شابة بلجيكية هي أميلي نوتومب نمت نبتتها في كوكب اليابان، ورغم أن هذه البقعة كانت هي مسقط رأسها ومنبت غرسها، ورغم أنها تتقن اللغة اليابانية كأي ياباني أصلي، إلا أن هذا لم يشفع لها شيئا، فقد ظلت صورة الفتاة البلجيكية تلاحقها أينما حلت، الأمر الذي  وضعها أمام صدمات لا تنتهي، خصوصا بعدما التحقت بالعمل في شركة يوميوتو اليابانية.

  فقدمت لنا حصيلة تجربتها بين أروقة شركة يوميوتو التي ارتبطت بها بعقد عمل لمدة سنة، و جاء سردها للحكاية بأسلوب هزلي ممتع وشيق و كأن الألم الذي عانت منه تحول في رمشة عين إلى عالم هزلي بما في الكلمة من معنى على حد تعبيرها، انطلقت حكايتها من المصعد الذي أوصلها للطابق الرابع و الأربعون حيث ابتدئ يومها الأول و تستمر حتى نهاية عقدها و تقديم استقالتها، تجربة فريدة دونتها على شكل سيرة سمتها “ذهول ورعدة”، مواقف و أحداث تعرضت لها خلال مشوارها، حيت عانت من الاضطهاد على يد مرؤوسيها ومن نظرتهم الدونية التي يرون بها المواطن الغربي.

 “ذهول و رغبة” وجه آخر لليابان المشرق، حيث يكون المواطن الياباني بمثابة خلية نمل، يكرس حياته لخدمة الشركة التي يعمل بها لا غير، ضغط و توتر يعيشه مهما كانت درجته وحدته دون تذمر و لا اعتراض على أوامر رؤسائه في العمل مع المنع التام من إبداء أية ملاحظات أو مناقشات، فالرئيس هو السيد و المرؤوس هو عبد مجرد من احترام لإنسانيته، وهذا ما يمكن أن يفسر ظاهرة الانتحار المتفشية لدى اليابانيين رغم ما وصلوا إليه، حتى سميت دولتهم بالكوكب لاختلافها التام عن باقي دول العالم، و لأن أميلي كانت على دراية تامة بقوانين العمل الياباني فقد احترمته رغم كل المعاناة التي تعرضت لها داخل يوميوتو احتراما لمدة عقدها فقد رضيت بكل الذل و المهانة التي كانت تتلقاها من مرؤوستها المباشرة الآنسة موري فوبوكي، تلك الفتاة التي كبدت أميلي عناء و شقاء لا تحتمل انتقاما  لما مرت به هي ذاتها خلال مدة عملها قبل أن تصير رئيسة قسم، فأصبحت جلادا وضحية بعدما كانت ضحية فقط، و تركت أميلي ضحية لحقدها الدفين و مكبوتاتها الجمة، فكانت تترصد أخطاءها و زلاتها و في كل مرة تنزل عليها عقابا أقصى من ذي قبل، فجاءها الارتقاء في السلم الوظيفي بشكل عكسي جراء التعثرات و الفشل في الاختبارات التي مرت منها والخيبات التي تعرضت لها، انحدار سلم الترقيات أوصلها لمهمة دونية حيث أسند إليها مهمة منظفة لدورات المياه النساء وبعدها لكلا الجنسين، فشلها ناتج عن وضعها في مناصب غير مناسبة لها فقط وليس لقلة خبرتها أو قدرتها، والدليل أنه عندما أتيحت لها فرصة يتيمة لعمل تقرير عن شراكة محتملة بين اليابان وبلدها الأم بلجيكا، أدته بإتقان و جودة متناهية، إلا أنه لم ينسب إليها لأنها أخلت بالنظام التسلسلي الداخلي المقدس للشركة، و الفشل هذه المرة لم يكن لعدم تمكنها من عمل التقرير و إنما كانت وشاية من الآنسة فوبوكي و هي تخفي في قلبها حقدا وغلا لها، ذلك أنه لا يمكن لأي فتاة في اليابان أن تصل لمنصب مدير قسم إلا بعد سنوات من الجهد و العناء و العمل الدؤوب، فكيف الحال بفتاة أجنية غريبة، فعمدت إلى استخدام مختلف الأسلحة لتحارب بها اميلي و أقوى سلاح هو أن تحط من قدرها كل يوم بشكل مختلف ظنا منها أنها ستقدم استقالتها لكن الفتاة كانت أقوى من كل التحديات وارتضت لنفسها أن تقبل بمهمة منظفة المراحيض احتراما لعقدها الذي سينتهي بعد شهور، وحولت محنتها لمتعة كبيرة حيث كانت تتاح لها الفرصة لتتبع الشوارع وأضواءها من وراء بلورها العالي، و في سرها تتردد فرصة كهاته لم تكن متاحة للكثيرين، و ظلت متمسكة بزمام أمورها لحين وقت تقديم استقالتها حيث كان عليها أن تمر بأربع مدراء انطلاقا من الآنسة فوبوكي أسفل الهرم إلى هنيدا صاحب الشركة و تقدم الاستقالة لكل واحد منهم بشكل منفرد، وذلك حسب ما جرى عليه العرف في الدولة.

“ذهول و رعدة” رغم أنها صرخ كاشف بشكل جلي للتعصب و التهجم ضد الغرباء، صورة عن الإشكال الأزلي شرق- غرب، عن عقدة اليابان الدفينة اتجاه الغرب، إلا أن النماذج البشرية التي ذكرت في الرواية ليست قاعدة و المقياس يمكن الحكم عليه بأن كل اليابانيين على شاكلتهم، فالسيدة فوبوكي كانت تعاني من سادية جلية من استمتاعها  بإيقاع أميلي في الأذى و توجيه الإهانة لها، وذلك ناجم عن كونها لم تتلقى التقدير و الاحترام من قبل مرؤوسيها و فاقد الشيء لا يعطيه، أما السيد صايطو رئيس موري المباشر رجل رغم طيبته و عطفه إلا أنه سلبي تسيطر عليه إمعة لا يمكن الخروج عن دائرة النظام المسيطر، أما السيد موشي السمين جلاد بطعم الشكولاتة التي يعشقها، في حين أن السيد هنيدا رئيس الشركة الشخصية الوحيدة الذي أبدى تعاطفا مع أميلي إلا أنه لم يحرك ساكنا رغم علمه بمأساتها، تبقى مجرد نماذج لا يمكن أن نحصر مجتمعا كاملا من خلالها.

فمأساة أميلي داخل شركة يوميوتو اليابانية فجرت ينابيع مداد القلم و أعطتنا سيرة بطعم هزلي ممتع فكان صدور ذهول و رعدة بشارة خير على صاحبتها فقد تلقت بفضلها رسالة التهاني من موري فوبوكي، لا ربما تكون هذه الرسالة المقتضبة شفاء لكل معاناة الماضي، ونقطة بداية لصداقة جديدة ومحبة قوية بين فوبوكي-الشرق  و أميلي- الغرب، ففي الحب والحرب كل شيء محتمل.

بقلم: فدوى الجراري

16-10-2019