“دراكولا” رعب حقيقي أم أسطوري لبرام ستوكر
نشر الإثنين 4 نونبر 2019

ماروك بريس:

من الشخصيات القتالية التي سجلها التاريخ في سجله الأسود، اختار برام ستوكر أقساها حتى يكون سندا لسرد حكايته، أضاف إليها من مهاراته ما ألبسها ثوب التشويق و الإثارة، فجعل القارئ في حيرة من أمره هل يثق في ما يقرأ على أنه واقع ثابت في صفحات الماضي، أم أنها مجرد أسطورة من خيال برام ستوكر.

دراكولا تلك القصة التي أبهرت العالم الإبداعي بأسره، فتشخصت القصة بلون السينما بعدما أسالت مداد النقاد والقراء، و ظلت حاضرة لقرون كأفضل قصة رعب على الإطلاق، ذلك أن برام ستوكر قد اختار شخصية دراكولا كبطل لبناء سرده، و المعروف عن هذه الشخصية حسب ما ورد في كتب التاريخ أنه موصوف بتعامله الوحشي مع المسؤولين الفاسدين واللصوص و خصوصا المحتلين الأتراك.

و ما أضفى على القصة الطابع الواقعي و أكسبها ثوب الصدق هي الطريقة التي  قدم بها الكاتب روايته فقد جاء على شكل مذكرات من مفكرات الشخوص الحاضرة في حبكته، وجعل كل شخص راويا وساردا للمواقف والأحداث التي تعرض لها و كيف نجا منها، مشيرا  إلى معاناته و هلعه من دراكولا مصاص الدماء.

و ابتدأ ستوكر سرد المذكرات بمفكرة المحامي جوناثان هاركر البطل الرئيسي للقصة حيث استقى أغلب الأحداث من مفكرته، يحكي كيف أن الكونت دراكولا أسند إليه  مهمة شراء بيت ضخم منعزل في ضواحي لندن، فتم تحديد لقاء بينهما في منطقة ترانسلفانيا نواحي روما لتوقيع عقود التفويت البيت الذي وافق شكله و موقعه رغبة الكونت ونال إعجابه، فهو على ثقة كبيرة باختيارات محاميه، اضطر المحامي الشاب إلى تكبد عناء و مشقة السفر للقيا السيد الغني من أجل ضمان صفقة رابحة، لكن ما كان في انتظاره جعل النجاة من ذلك المكان الموحش هي صفقة العمر، فقد وجد الكونت يقطن في قصر مهجور لا يقوى على دخوله مخلوق فالداخل إليه ميت والخارج منه ميت، رعب القصر و صاحبه سكن قلب سكان المنطقة وتسبب لهم في خوف و هلع شديدين من مجرد ذكر اسم الكونت، فكانوا يلبسون قلادة  وسلاسل الصليب كتعويذة تحميهم شر الكونت وسم أنيابه، غرابة القصر من غرابة  ساكنيه فلا أبواب و لا نوافذ، الجدران خالية من أبسط أنواع الزينة ـ المرآة ـ و الكونت الساكن الوحيد بالقصر لا يظهر إلا ليلا و يختفي مع بزوغ الفجر، لا أكل و  لا مشرب يسري في دمه، عالمه خاص به و نظامه مختلف عن نظام البشر، كل هذه الأشياء أثارت شكوك و وساوس في نفس جوناثان، فأصبح هاجسه الوحيد كيف ينجو بنفسه من هذا الويل والجحيم حتى لا يصير دمه غذاء للكونت، و حتى لا يصير تابعا من أتبعه مثل الحسنوات الثلاث اللآتي كان يراهن في أحلامه، مفكرة جوناثان كانت تشير إلى أدق تفاصيل القصر المرعب، أشارت أيضا لقبوه الذي يتضمن قبورا تحتوي على توابيت لضحايا دراكولا.

نجا جوناثان بأعجوبة لم تذكر في الرواية فهو نفسه لا يدري كيف وجد نفسه في المستشفى يتلقى العلاج مما حل به، و هنا استحضر برام ستوكر أحداثا من مفكرة مينا حبيبة جوناثان عن تحكي عن صديقتها لوسي و المرض الذي تعاني منه و ما حل بها حتى أصبحت شاحبة الوجه و كأنها شبح من العالم الآخر فقدت ما في جسمها من دم يسري وما عاد به ولا قطرة دم واحدة، وأصبحت بدورها صائدة ليلية لدم الأبرياء الصغار الذين لوحظ اختفاءهم يوما بعد يوم جراء تعطش جسمها للدم.

وقائع أخرى غريبة من مفكرة الدكتور جون سيوارد  حدثت في المشفى التي يديرها و التي يقع مقرها بقرب البيت الضخم الذي يملكه دراكولا، الأحداث تشير إلى أحد المرضى فقد كان يهوى صيد الذباب و العناكب و الفئران، أفعاله كانت غريبة ومجهول الأسباب الكامنة وراءها، وظل المريض على حاله إلى أن وافته المنية جراء نخزات في عنقه هي من أنياب الكونت المتشخص في هيئة خفاش أسود.

وقائع أثارت شكوكا و إشكالات وجب البحث عن حلها، فبعد ما حل بلوسي تكاثفت جهود الأصدقاء جوناثان هاركر و خطيبته مينا، الدكتور جون سيوارد و آرثر خطيب لوسي وكوينسي موريس و الدكتور ابراهام فان هذا الأخير كان ضليعا بالتاريخ و الأساطير القديمة اتحدوا يدا في يد من أجل القضاء على الكونت دراكولا وجرائمه انتقاما لما حل بصديقتهم لوسي و تخليصا للمنطقة من شره و حماية للأجيال القادمة من سكان المنطقة حتى لا يتحولوا إلى ضحايا الكونت الذي سيحولهم إلى مصاصي الدماء بعدما يرتشف آخر جرعة من دمهم.

مغامرات و مطاردات بين الكونت و بين فريق المنقذين، كانت بين شد و جذب، أحداث شيقة ومثيرة للرعب في آن واحد، تنتهي الأحداث بغلبة أنصار الخير على زارع الشر فقد تمكنوا من الوصول إلى تابوت الكونت و قاموا بغرز وتد في قلبه و فصل رأسه عن جسده و حشوه بالثوم و الخبز المقدس، الأمر الذي يبطل عمل الكونت حيث سترقد روحه بسلام.

وأنت تصل إلى آخر مفكرة في القصة و التي تحكي نهاية دراكولا و زواج جوناثان و مينا وإنجابهم لطفلهم الأول وكيف قاموا برحلة استجمامية قادتهم إلى القصر المرعب حيث يرقد أمير الظلام، تتبادر إلى ذهنك تساؤلات جمة، هل كان فعلا دراكولا شخصية حقيقية أم هي وليدة خيال برام ستوكر، هل دراكولا هو نتيجة فساد المجتمع أم هو جبروت وطغيان الحاكم، وحسب ما يشار إليه فإن دراكولا ينسب إليه أعمال إجرامية حيث كان مشهورا بأسلوب الخزق في التعذيب و التخلص من أعدائه، استهواه حب سفك الدماء حتى ذاع صيته خارج حدود إمارته فاستوحى منه برام ستوكر شخصية بطل قصته الكونت دراكولا مصاص الدماء.

ومهما اختلف الأمر حول أصل الحكاية هل هي أحداث حقيقية لها من الواقع أرضا أم مجرد خيال أسطوري تبناه الكاتب تبقى القصة مشوقة تستحق القراءة و النظر في أحداثها، ويبقى الحكم في النهاية للقارئ حكم الفصل.

بقلم فدوى الجراري

19-10-201