الحرف القرمزي
نشر الإثنين 4 نونبر 2019

ماروك بريس:

خطيئة واحدة كفيلة بأن تقلب حياة صاحبها إلى الأبد، تظل وصمة عار على جبينه طول العمر، خصوصا إذا كانت لهذه الخطيئة أثرا يمشي على الأرض، صورة نابضة بالحياة ترى أينما تحركت و ارتحلت، من الصعب أن تنسى مع الزمن، لكن رغم ذلك أ من المعقول ألا يغفر الإنسان خطايا أخيه الإنسان، أمن المعقول أن يظل الإحساس بالذنب رفيق صاحب الخطيئة ما دام حيا.

ناثانيال هاوثورن ألهمته الخطيئة و أسالت مداد قلمه فأنتج رواية سماها “الحرف القرمزي”، ترجمت إلى لغات عدة و  تجسدت سينمائيا من قبل مخرجين من مختلف الجنسيات، فالرواية كشفت الستار عن علاقة الإنسان ببيئته، و عن كل الضغوط و الضوابط التي يخضع لها سواء طوعا أو كرها، قيود تكبله وتحد من حريته لا تستمد مصداقيتها من القوانين والتشريعات و إنما من المجتمع و أعرافه، و هكذا ظلت هيستر براين بطلة رواية ناثانيال هاوثورن أسيرة حكم المجتمع جراء الخطيئة التي ارتكبتها لحظة ضعف، لحظة نزوة ، أو نتيجة حب جارف، فمهما كانت المسببات فالحكم واحد، فالمجتمع التي تعيش فيه هو في طبعه مجتمعا متزمتا منغلقا لا يعترف بالمسببات بقدر اهتمامه بالنتائج و الأحكام.

هيستر برين تلك الشابة الجميلة التي قادها قدرها إلى بلدة نواحي بوستن الأمريكية، فبعدما أرسلها زوجها العجوز إلى الاستقرار بهاته البلدة ريثما يلتحق بها، وجدت نفسها وحيدة في بلد لم تستأنس بأناسه، و غياب الزوج قد طال و الأخبار عنه أخذت القيل و القال بين مفقود وسط البحر و غائب دون معرفة أية وجهة له، فأصبحت وحيدة لا قريب و لا أنيس، زادتها الخطيئة  التي وقعت فيها غرقا في الوحدة و تأنيب الضمير، خصوصا أن هذه الخطيئة خلفت رضيعة صغيرة هي في حد ذاته عار يمشي ممتد في الزمن والمكان، و حسب ما يقتضيه عرف المجتمع البيوريتاني في هذه المنطقة هو وقوف الخاطئة في منصة وسط  ساحة حيث يراها الكل لساعات طوال ريثما يتم إعدامها عقابا على هذا الجرم الشنيع، و رغم أن هذه الخطيئة هي نتيجة جرم شخصين اثنين إلا أنها تحملتها لوحدها، و التزمت الصمت إزاء هوية شريكها، وظل العار ملحوق بها لوحدها، فجاء العقاب أقوى من المتوقع ذلك أنه فرض عليها ارتداء قطعة قرمزية منقوش عليها حرف “A” هو رمز لخطيئة الزنا بكل ما تحمله من معنى، وهذا الحرف يظل موشوما على صدرها ما دامت حية تمشي وسط الجموع، رضيت بالحكم على قساوته و أخذت ابنتها وانزوت بها في كوخ صغير خارج البلدة، فهي قد أصبحت جراء هذا الحكم منبوذة من المجتمع، حيث لا يمكن أن تعيش بعد الآن وسطهم و تدنس بفعلتها صفاءهم ونقاءهم، و ذلك الكوخ القصي كان أنسب لها حيث بدأت هناك وابنتها فصلا جديدا من حياتها، فقد عمدت إلى امتهان الخياطة كمصدر لرزقها و رزق ابنتها و تفننت في إبداعاتها حتى نالت إعجاب جميع أهل البلدة نساء و رجالا و أطفالا، فكانت عائدات صنعتها المادية تتبرع بها للفقراء والمحتاجين، بعدما تحتفظ بما يكفي لسد رمقها، فشاع كرمها و أعمالها الخيرية وسط أهل البلدة، حتى كادوا ينظرون إليها سرا بعين الرحمة و الرأفة، ورغم عيشتها الكريمة جاء قرار من حاكم المدينة بضرورة فصل الابنة عن الأم حتى تتلقى التعليم الديني والأخلاقي الجيد بعيدا عن جرم والدتها، لكن القدر كان رحيما بها و تدخل الكاهن آرثر ديمسديل  مدافعا عن أحقية احتفاظ الأم  بالابنة و بقائهما مع بعض هو أنسب لكلتيهما، وهكذا ظلت تعيش هيستر برين و ابنتها بيرل  في البلدة وأصبحت بفضل مهارتها في الخياطة حاضرة في كل بيت، لكن دون أن يكلمها أو تكلم أحدا، و الحرف القرمزي لصيق بصدرها، حتى أن ابنتها لن تعرف أمها بدونه.

في زاوية أخرى من القصة نجد الطرف الآخر في الجريمة و الذي لم تكشف هيستر اسمه أو هويته، رغم مرور الأيام و السنوات، ظلت محتفظة بسره في قلبها و لم يعرفه أحد غيرها لو لا إحساس الذنب الذي أفتك بصحته و قلبه، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الجنون، عاش آرثر ديمسديل صراعا نفسيا بين خطيئته و بين خطبه ونمط حياته المثالي، فقد كان فاعلا مؤثرا في المجتمع البيوريتاني، كيف لا وهو الكاهن الرزين الحكيم، الإحساس بالذنب و صعوبة الاعتراف به سبب لآرثر أزمة نفسية و قلبية، نحولا في الجسد و أرقا ليلا، فكان يتضرع لله كل ليلة يطلب المغفرة و القوة لتحمل هذا الذنب الذي أثقل كاهله وكبل سواعده، و في إحدى الليالي زار المنصة التي حوكمت فيها هيستر و صعد إليها، و هناك رأته هيستر وابنتها وصعدتا معه إليه و أمسك هو في يد بيرل التي طلبت منه أن يمسك يديها جهرا أمام الملأ، طلب صعب التحقيق في الوقت الحاضر لكنه وعدها يوما ما سيحقق رغبتها، آرثر لم يكن يدري أن ما به ليس مجرد تأنيب الضمير و إنما هناك سما يسري في دمه فقد عمد روجر تشيلينغ ورث زوج هستر الأول إلى الانتقام به بعدما كشف سره الدفين، و بحيله و مكره انتقل للسكن معه في بيته حتى يسهل عليه تنفيذ مخططات انتقامه، فقد انتحل صفة طبيب بالأعشاب الطبية و خبيرا بها، فكان يناوله جرعات من الأعشاب الطبية السامة حتى تفتك به يوما بعد بوم، هستر لم تكن قادر على خيانة وعدها لروجر الذي رآها على المنصة يوم الحكم عليها، و توعد أمامها بالانتقام من شريكها بعدما يكتشف هويته، لكنها لم تستطع الوفاء أكثر بوعدها خصوصا بعدما لاحظت ما حل بصحة آرثر، و حذرته من شرور شريكه في السكن و طلبت منه السماح على كتمانها لهذا السر فالوفاء بالوعد كان أقوى من فضحه، وشجعته على الرحيل من هاته البلدة التي لم ينالوا فيها إلا الألم و الآهات، وضربا مع بعض موعدا للرحيل، لكن الأقدار كانت لها خطط أخرى.

قبل تنفيذ قرار الرحيل بيوم، احتفل سكان البلدة بالانتخابات و بتنصيب حاكم جديد، حيث ألقى بالمناسبة آرثر خطبته الأخيرة على مسامع أهل البلدة التي لمست فيهم مشاعر بليغة، غادر آرثر الكنسية و اتجه نحو المنصة التي وجد فيها هيستر و ابنته تنتظرانه، لكنه وقف وسط الجموع وأعلن خطيئته علنا أمام الملأ، و كشف عن العلامة المحفورة على صدره، بعدها خر ميتا في بين ذراعي هستر بعدما نفذ طلب بيرل وقبلها علنا، موته هو نهاية العذاب القاسي الذي عاشه بعد الخطيئة التي ارتكبها، و بعد مرور عام من موت آثر مات روجر شيلينوجووت و ترك كل ممتلكاته باسم بيرل رغم أنها ليست ابنته و من صلبه، أما هيستر و ابنتها فقد رحلتا من البلدة دون أن يعلم أحد وجهتهما، و مرت سنوات عدة، ليتفاجئ أهل البلدة بعودة هيستر للاستقرار في كوخها القديم و تمارس أعمالها الخيرية حتى وفاتها حيث دفنت هناك و زين بلاط قبرها بحرف “A” إشارة إلى قصة هستر و ديمسديل.

رواية “الحرف القرمزي” لناثانيال هاوثورن و إن كانت تحكي عن خطيئة هيستر التي ظهرت للعلن نتيجة وجود رضيعة بين ذراعيها، و عن ديمسديل الذي ظل رغم خطأه محل فخر و إعجاب، ولولا اعترافه لظلت تلك الصورة مقدسة عنه، من جهة أخرى تبرز قسوة سكان البلدة المتزمتين و الرافضين للإثم دون رحمة أو عطف دون إدراكهم أن الكل معرض للوقوع في الخطأ المهم هو عدم الاستمرار عليه، بالمقابل نجد خديعة روجر لأهل البلدة و انتحال صفة طبيب حتى ينتقم من غاوي زوجته حتى أسقطها في الرذيلة،   و تبقى الرواية في مجملها تشير إلى أن العقاب و الجزاء و معالجة كل  القضايا الأخلاقية والروحية خاضعة لقوانين المجتمع و مستمدة من أعرافه لا من القوانين و التشريعات، و الدليل على ذلك أن هيستر رغم أنها عاشت حياتها على خطيئة واحدة دفعت ثمنها من عمر بابنتها التي ظلت حاملة لشعار الحرف القرمزي.

بقلم فدوى الجراري

31-10-2019