زيارة وزراء لبيتي المتواضع:
نشر الجمعة 3 غشت 2018

ماروك بريس:بقلم”أزلو محمد”

بالأمس وأنا في قمة النشوة,مع إحساس بالأمل,داخل حقبة زمانية,كان فيها العدل يمشي على أربع,والميزان لا يعرف الاختلال.
بالأمس وأنا في إعتكاف روحي, مع كتاب لسيرة حاكم عادل,رفع الظلم عن العباد,وحكم برفع لواء الحب والتواضع للضعيف,والقوة والجبروت للقوي الظالم.
إعتكافي في قراءة سيرة عمر الذي عدل ونام وارتاح,جعلني أعيش في بحر أمواجه هادئة,وأسماكه باسمة,وأفلاكه ترقص فرحا,بحملها لعدل الزمان والمكان.
في قمة هذه النشوة,وفي قمة هذا الشعور,والإحساس الغريب عني,أسمع دقات ببيتي المتواضع.
دقات أخرجتني من حلم الواقع الماضي,لواقع الحلم الحاضر.
فتحت باب بيتي,فإذا في صدمة من هول من طالب استضافتي,فرح مشوب بخوف وترقب.
من ببابي؟
أشخاص نراهم فقط في المناسبات,وعبر أجهزة السلكي واللاسلكي, أشخاص ننتبع أخبارهم, علنا نجد فيهم قليل من العدل والتكافؤ.
حذق بي ضيوفي,وأحسوا بارتيابي وخوفي المجهول, لكنهم أرسلوا لي شحنات إيجابية,عبر ابتساماتهم التي أشعرتني بأني عدت لزمان سيرة كتابي السابق.
بدأت أتمعن في كل واحد من زواري, فهذا وزير الداخلية ,وذاك وزير للنقل,والثالث وزير الصحة.
أخبروني بأن زيارتهم لي, لم تكن عن سابق قصد ونية,بل عن عشوائية وضرب للنرد,تذكرت حينها بعض برامج قنواتنا المحترمة,والتي تجعل منا أكذوبة الزمان,عبر إيهامنا بأن برامجهم المسابقاتية والجوائزية, تحمل في صدقيتها إختيارات عشوائية بريئة, ليتضح فيما بعد أسطورة أكاذيب بعضهم.
لم أشأ أن أرسل بدوري شحنات سلبية لضيوفي,تعطيهم إحساسي العميق بعدم صدق إختيارهم العشوائي.
أقفلت باب عمقي التائه في براثين الظن والشك,وتساءلت عن سبب زيارتهم الميمونة,أخبروني بأنهم قرروا معرفة مشاكل مدينتي,وأنا من يجب علي وضع لبنات أساس بيت التساؤلات, ووعدوني بحل جل مشاكلها,وتلبية إحتياجاتها الكاملة.
نظرت لوزير الداخلية,وأخبرته بأن مدينتي الصغيرة الحجم,الكبيرة في المعاناة,تعيش في بعض أحايينها وأزمانها,على إيقاع انتشار الجريمة,وبأن ساكنة محبوبتي تعيش الخوف من المجهول,على فلذات أكبادها,ومن ذئب متربص يتصيد الفرصة للإنقضاض على الفريسة لحظة نوم الاسد الجريح العجوز.
طلبت من وزير داخليتنا المحترم,بأن يعزز ثكنات مركزنا الشائخ,ببعض الموارد البشرية واللوجيستيكية,فحكمة الامن قبل الطعام تسري داخل نفسية معظم الساكنة,وطلبت من وزيرنا المحترم بأن مدينتي التي هي من أقدم مدن بلدنا الحبيب,ليست بحاجة لتعزيزات أمنية لحظية تأتيها من مدينة أحدث منها تاريخا وجغرافية.
وعدني وزير بوليسنا المحترم,بأن غدا سيكون يوما تاريخيا لمدينتي,وبأن غدا مدينتي ستعيش على إيقاع الأمن والأمان,داخل أسوارها وأوكارها وأغوارها.
لوحت بناظري صوب وزير النقل,تذكرت لحظات شخصية عشتها داخل حافلاتنا المكيفة”وهنا التكييف مجازي خاوي الوفاض”,طلبت من وزير سياراتنا وطرقنا بأن يترك سيارته الفارهة,ويستقل حافلاتنا المنتشرة هنا وهناك “فقط في أحلام بعضنا”,طلبت من وزيرنا المحترم,عند ركوبه معنا أن يبحث عن وجود علامات التوقف المنعدمة في مدينتي,طلبت من وزيرنا المبجل أن يعيش لحظات ترقب لمسير الحافلة حسب وقت يحترمه الغرب ويقدسونه,في حين في حافلاتنا فالوقت مجرد سوار من حديد صدئ, بعد أن كان ذات وقت من ذهب خالص.
طلبت من وزير نقلنا,التعمق في سبر أغوار نسائنا وبناتنا اللواتي تعانين كل يوم من تحرش .
طلبت من وزيرنا بأن يسأل طالباتنا وطلابنا عن معاناتهم اليومية مع هذا الأسطول الذي لا يحمل من الاسم إلا النعث.
أخبرت وزيرنا المبجل بأن عدد هذا الاسطول لا يكفي لسد الثغرة.
وأخيرا طلبت من وزير سياراتنا وطرقنا المهترئة,بأن شوارعنا تعيش الويلات من تهميش وحفر تضيق بها الازقة.
وكسابقه ذكرني وزير النقل بأن غدا لناظريه قريب.
صوبت بعدها سهام أعيني للضيف الثالث”وزيرالصحة”,أخبرته بأني لن أطيل عليه,لا لأن الصحة في مدينتي بعافية,ولكن فقط أريده زيارة مستوصفات ومستشفى مدينتي,وليعيش بضع دقائق في البحث عن الصحة إن وجدها داخل أسوارها.
وعدني وزير صحتنا,التي أصبحت الآن تعيش خريفها,وتسبح في نهر التهميش.
هنا إنتهت طلباتي وانتهت معها وعودهم,وفي قمة الوداع,رمقتهم بأعين دامعة,فتساءلوا حينها عن سبب بكائي,وتفاءلوا باعتقادهم بأنها دموع الفرح,لكني لوحت لهم بسهام سبب بكائي,وأخبرتهم بأني كنت أتمنى أن تكون الزيارة خماسية لا ثلاثية,وبأن أمنيتي كانت تكتمل مواسم أفراحها لو كانا وزيران من وزرائنا مع ضيوفي الكرام,صوبوا نحوي سهام أسئلتهم عن الوزيرين المطلوبين.
أجبتهم بأني كنت أتمنى زيارة وزير التعليم,لأحكي له عن السبورة التي محيت طلاسيمها,وعن الطبشور الذي كسرت أضلاعه.
كنت أتمنى زيارة وزير العدل لأحكي له عن ميزان مدينتي.
هنا وعدوني بزيارة قادمة للمطلوبين غدا,وحيوني تحية الاسلام الخالد, وباركوا لي غيرتي عن مدينتي,وتمنوا زيارتي في قادم الايام,وفي ظل ظروف وفاء وعودهم لي.
بعد توديعمهم وإقفال بيتي بدونهم,عدت لكتابي السابق,والابحار في عالم العدل الذي أصبح الآن واقعا حاضرا,بعد أن ظننت بأن رياح التآكل ذهبت بنسماته.
وبعد ساعات من السهر في الابحار,ومع اقتراب طلوع الفجر, سمعت دقات بباب بيتي يهز أركان جدرانه,هذه الدقات أقوى من دقات ضيوفي الكرام.
عند فتح الباب هجم علي بعض الرجال,كثيران هائجة,كبلوني وقيدوني وحاولوا اقتيادي لمكان مجهول.
عندها علمت هذه المرة بأن ضيوفي هم زوار الفجر,وبأن عبارة غدا لناضريه قريب أصبحت الآن أقرب من حبل الوريد.
لم أكتفي بالاستسلام لقبضات أصحابي,ولكم حاولت التملص منهم بكل قواي,وحينها وجدت نفسي تحت السرير,وعلمت حينها بأنها مجرد أضغاث أحلام.
فانسابت من عيناي دمعتين باردتين”كإحساسي اللحظي”,كان شعوري متنافض بين الفرح بأن ضيوف الفجر كانوا فقط كابوسا مزعجا,والحزن بأن ضيوف النهار كانوا فقط حلما جميلا.
عدت لسريري باحثا عن حلم أعمق عدلا,وكفي ميزان غير مختلة.
عدت لنومي ولسان حالي يقول”أين أنت يا عمر”؟…