اختتام فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء  بندوة وجدة عاصمة للثقافة العربية لعام 2018
نشر الإثنين 9 يوليوز 2018

ماروك بريس:متابعة”محمد عبد الفتاح”

ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، شهدت قاعة وجدة بالمعرض، يومه السبت 17 فبراير على الساعة السادسة مساء، فعاليات ندوة “وجدة عاصمة للثقافة العربية”، بمناسبة اختيار مدينة وجدة المغربية عاصمة للثقافة العربية لعام 2018م، بعد اختيارها من طرف اللجنة الدائمة للثقافة العربية، خلال الاجتماع المنعقد بمدينة الدار البيضاء بتاريخ 30 نونبر 2017م، شارك فيها كل من الدكتور بدر مقري، والدكتور يحيى عمارة، والدكتور مصطفى الرمضاني، والدكتور عياد أبلال، وسير وقائعها الباحث الأنثربولوجي مراد الريفي.

في البداية، أكد مسير الندوة مراد الريفي، الذي تم انتخابه عام 2016م رئيسا للجنة الدائمة للثقافة العربية، على أن اختيار وجدة عاصمة للثقافة العربية لم يأت صدفة، بل لأنها شكلت على امتداد تاريخ المغرب بوابة عبور وتواصل برية مع المشرق العربي وإفريقيا، بفعل موقعها الاستراتيجي الهام، مما خول لأبنائها الاستفادة من التأثيرات الثقافية، التي كانت تنطلق شرارتها من كبرى القلاع الثقافية؛ مثل: القاهرة، ودمشق، وبيروت، وبغداد، والبصرة، الأمر الذي جعلها تصوغ نموذجها الثقافي، الذي يعكس هويتها المتعددة. ولم يفت المسير أن يعترف أن هذا التتويج ما كان له أن يتحقق، لولا إيمان وزير الثقافة المغربي محمد الأعرج، الذي دافع عن هذا الترشيح، ودعمته وزارته بقوة، قبل أن يتناول الكلمة الدكتور بدر مقري، وهو دكتور متخصص في التاريخ بجامعة محمد الأول بوجدة، الذي ألمح إلى أن من حسنات هذا الاختيار، تكسير المقولة التي يتوهم أصحابها بأن وجدة بعيدة عن المركز، مؤكدا أن كل ذاكرة محلية تحيل على ذاكرة وطنية، قبل أنت يسافر بالحضور نحو أصل التسمية، والتأسيس، مستعرضا مختلف الروايات بهذا الصدد، ومشيراً أن من تلك الروايات رواية تقول بأن اسم وجدة أصله أمازيغي “تيوجدة”، ورواية أخرى تذهب إلى أن اسم وجدة مشتق من كلمة الوجد الصوفية، مشيرا إلى رواية يتم تداولها على نطاق واسع تعود إلى أحمد بن محمد المقري التلمساني، بثها في كتاب “نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” تقول: “ولما جئت وجدة همت وجدا”. ومفندا المقولة الزاعمة بأن زير بن عطية المغراوي هو من أسس المدينة، وإنما جدّد البناء ولم يؤسس، لأن الحفريات أثبتت أن وجدة كانت موقعا رومانيا.

واستطرد الدكتور مقري حديثه عن وجدة، مبينا أن لسان وجدة ولغة أهلها كانت تنزع إلى الأمازيغية، مستشهداً بما جاء به الحسن الوزان الشهير بليون الإفريقي في وصف إفريقيا، حين أورد: “وكانت لغة أهل وجدة هي اللغة الإفريقية”؛ ويقصد الأمازيغية. كما أن واد إيسلي شكل وعاء لغويا أمازيغيا. وأشار في معرض حديثه، أن وجدة نسجت علاقات ثقافية متعددة بالمدن الأندلسية، في فترة الامتداد الإسلامي بأوربا كبلنسية، وغرناطة، وقرطبة، وأن الموقع الجغرافي كان مساعدا لإنتاج ذاكرة ثقافية خصبة، لم تكن فيه المدينة منطقة عبور حدودية فحسب، وإنما مركز استقرار تجلى في توافد عدة شرائح للاستقرار بالمدينة؛ كما هو الشأن بالنسبة لليهود الإسبان، الذين هاجروا نحو وجدة واستقروا بها. هذا الموقع الاستراتيجي لوجدة جعلها تعيش كينونتها الثقافية، وتنتج خصوصيتها، وقد فطن المستعمر الفرنسي لهذه الخصوصية المتفردة للمدينة، ليجعلها نقطة انطلاق عسكرية نحو باقي المدن المغربية، بعد بسط سيطرته

التامة على كل التراب الجزائري، مستشهداً بقول الجنرال ليوطي في هذا الصدد: “وجدة متعددة الأبعاد”، بل كانت وجدة، أيضا، نقطة عبور المستعمر الفرنسي، ليس إلى باقي المدن المغربية فحسب، بل وأيضا، إلى باقي دول إفريقيا، وفي هذا الإطار عمل المستعمر على إقامة مشروع مارينجر القاضي ببناء خط سكة حديدي، يربط مدينة وجدة ببعدها الإفريقي، ويتغلغل من خلاله المستعمر إلى مناطق عدة من التراب الإفريقي.

وإذا كانت السياسة لا ترحم، كما يوضح الدكتور مقري، فإن الثقافة ترحم، لهذا شكلت مدينة وجدة قبلة لتحقيق أخوة مغاربية، صهرت البلدين المغرب والجزائر، فشكلت وجدة خلفية عسكرية في حرب التحرير الجزائرية، واحتضنت كبار قادة المقاومة الجزائرية خلال الثورة الجزائرية، وبها نشأ وترعرع الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة، المولود عام 1933م. هذا البعد المغاربي لا يمكن فصله عن البعد الإفريقي، فقد شهدت وجدة حدثا بارزا عام 1962م، حين أقام بها المناضل الجنوب إفريقي نيلسون منديلا عام 1962م، بل إن فكرة العالم الثالث ظهرت وانتشرت من خلال هذا الفضاء الوجدي، في عقب المناقشات التي شهدتها حلقات فكرية بين الطبيب الفرنسي فرانز فانون، الذي انضم إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية، والقائد الوطني الكبير المهدي بنبركة.

بعد الدكتور مقري تناول الكلمة الدكتور مصطفى الرمضاني، وهو أستاذ مادة المسرح والثقافة الشعبية بجامعة محمد الأول بوجدة، وأحد رموز المسرح المغربي، ارتبط اسمه بالمسرح من مداخل متعددة؛ تأليفا، ونقدا، وتنظيرا، وممارسة، ليسافر بالحضور، قبل الحديث عن الحركية المسرحية التي عرفتها وجدة، إلى محطات بارزة، لا يكاد يستحضرها أحد، بينما شكلت أحداثا حضارية ضاربة في صميم المدنية المغربية، من خلال ما أطلق عليه الدكتور الرمضاني: وجدة مدينة الأوليات؛ فهي أول مدينة مغربية دخلتها المدنية، عقب مجيئ المستعمر الفرنسي من الجزائر إلى وجدة محملا بالعتاد، فأنشأ بها أول محطة للقطار، وأول مركز للبريد، وبها تشكلت نواة أول مدرسة على النمط الحديث، أنشأها السيد فريد سيدي زيان، كما ظهر بها أول متحف، وبها تأسست أول جمعية فنية ثقافية عام 1921م؛ هي الجمعية الأندلسية للمسرح والموسيقى، أسسها مغاربة ويهود وجزائريون، وترأسها الفنان محمد بن اسماعيل، وهو مغربي من أصل جزائري؛ وكانت هذه الجمعية أول جمعية مثلت المغرب على الصعيد الخارجي في الميدان المسرحي عام 1930م في مسرح الأمم.

كما أن أول جوق نسائي للطرب الغرناطي رأى النور في مدينة وجدة، في وقت لم تكن الفرق النسائية معروفة تماماً، ومع تأسيس المهرجان الوطني لمسرح الهواة عام 1956م، فازت بفعالياته فرقة مسرحية من مدينة وجدة. وعلى مدار دوراته، تحصلت الفرق المسرحية التي تنتمي إلى وجدة على 67./. من جوائز مسرح الهواة، غير أنه في عام 1977م سيقع تحول كبير على مسار الحركة المسرحية الوجدية، بظهور أسماء وازنة في مجال المسرح؛ كتابة وتنظيرا وإخراجا؛ نذكر منها محمد مسكين، ويحيى بودلال؛ حيث كانت وجدة تحصد الجوائز الأولى في مختلف المهرجانات المسرحية الوطنية، وظهرت حركة مسرحية دؤوبة، شكلت استثناءً على صعيد الممارسة المسرحية الوطنية؛ نذكر من هذه التجارب: مسرح النقد والشهادة لمحمد مسكين، المسرح الاحتفالي لعبد الكريم برشيد، تجربة المسرح الأسود… وغيرها من التجارب، ومن بين 400 نص مسرحي مغربي صادرة لحدود اللحظة، هناك 70 نصا مسرحيا ينتمي إلى الجهة الشرقية. وعلى مستوى النقد المسرحي كانت أول أطروحة جامعية نوقشت حول المسرح في جامعة محمد الأول بوجدة.

الدكتور يحيى عمارة، وهو أستاذ الأدب العربي بجامعة محمد الأول، ومدير مختبر صناعة الثقافة والاتصال وراهنية التنمية لدراسات الدكتوراه، وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب، ومن أهم شعراء المشهد الشعري المغربي، وأبرز شعراء الجهة الشرقية، تحدث من جانبه عن خصوصية المشهد الشعري بوجدة، بصفتها جزءاً من كل، مركزاً حديثه على خصوصية وجدة على المستوى الفكري والثقافي والروحي؛ والتي تنعكس على مستوى الفضاء العام لوجدة، حيث تتسم هذه الخصوصية بالتسامح الديني وحوار الأديان؛ فنجد المسجد بجانب الكنيسة ومزار لليهود المغاربة، وهو ما انعكس على الحركة الثقافية بشكل عام، والحركة الشعرية بشكل خاص، ومعلوم أن الحركة الشعرية تعيش بالاختلاف. وهو ما كرسته التجارب الشعرية، على اختلاف مشاربها وتوجهاتها، بدءاً بسنوات السبعينات والثمنينات؛ وهي تجربة غلب عليها النفس الإديولوجي، ليس بالمعنى القدحي، وإنما بالمعنى الرسالي، كما هو الشأن عند التيار الشعري الإسلامي، أو التيار القومي، والتجربة الثانية؛ هي تجربة معرفية وجمالية، تبدأ مع سنوات التسعينات، وخلالها ستكون معالجة مفهوم الشعر جماليا، وليس إديولوجيا. وما دامت هاتان التجربتان تختلفان في في المرجعيات، فإن ذلك سينعكس على مفهوم الشعر نفسه؛ الذي سينفتح على تجارب كونية، بخلاف التجربة الأولى التي بقيت منحصرة على نفسها. وقد شكل ديوان “البريد يصل غدا” للشاعر الطاهر دحاني محاولة غير مسبوقة تحمل بوادر قصيدة النثر، في فترة مبكرة من تاريخ التجربة الشعرية في الشرق، وفي التجربة الشعرية المغربية عموما، ورغم أنه كتب قصائده محاطاً بتوجه يحمل تصورا شعريا محافظاً، لشعراء لم يستطيعوا الخروج عن الإيقاع، إلا أنه كتب قصيدته الشعرية التي تستشرف المستقبل، فأسس لقصيدة النثر في تلك الفترة المتقدمة التي ظهر فيها ديوانه، نتيجة تأثره بالسينما وثقافة الصورة. والملاحظ أن التجربة الثانية عرفت بروز فئة من الشعراء لم يكتفوا بالشعر، بل زاوجوا الشعر بالنقد؛ وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بظاهرة “الشعراء النقاد”، نتيجة انتماء هذه الفئة للبحث الجامعي، كما هو الشأن بالنسبة للشاعر منيب محمد البوريمي، الذي نشر أعمالا شعرية وقصصية ونقدية مهمة؛ منها الدراسة النقدية “الفضاء الروائي في الغربة”، إلى جانب أعماله الشعرية: “مليلية في القلب”، و”البكاء بين يدي عبدالرحمن المجذوب”، ومجموعته القصصية الأسوار والكوريدا”.

كما استفادت التجربة الشعرية، في تصور الدكتور عمارة، من زيارة شعراء وفدوا إلى وجدة في زيارات ثقافية؛ كالشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وسعدي يوسف وشوقي بزيع؛ الذين زاروا وجدة وأقاموا بها أمسيات شعرية، احتك من خلالها الشعراء المحليون بهذه التجارب، فأثْروا تجربتهم الشعرية، مما جعل من هذه التجربة الشعرية في الشرق المغربي تجربة غنية ومتميزة.

وقد تأثر الشعراء النازحون إلى وجدة من مدن مغربية كالرشيدية، مثلا، بحالة التمدن الموجودة في وجدة، ولعل من قوة شاعرية القصيدة التي كتبت من طرف هؤلاء ركونها إلى جماليات خاصة، هي وليدة تأثرها بالفضاء العام، من صحراء (فكيك وجرادة)، وبحر (السعيدية)، وحالة المدنية التي تضاهي كبريات المدن المغربية (وجدة).

الباحث الدكتور عياد أبلال، وهو باحث سيسيولوجي، وصحفي، تحدث في هذه الندوة عن الحركية التي يعرفها ميدان الفنون البصرية والتشكيل من زاوية سيسيولوجية، وعن خصائص اللوحة بالمنطقة الشرقية، مقتحما عوالمها الداخلية وكيمياءها وألوانها والتيمات التي سيطرت (الحايك، الصينية، البراد، الرزة، المكحلة…)، عبر استحضار مجموعة من التجارب، التي انحدرت من وجدة، وأقامت مجموعة من المعارض الفردية والجماعية، سنوات الستينات والسبعينات، أو تلك المنحدرة من وجدة، ولكنها

عرفت واشتهرت في الغرب، وأقامت معارض بكل من إسبانيا، وألمانيا وفرنسا، مستحضرا مجموعة من التجارب من هذا القبيل؛ كتجربة الفنان التشكيلي عزيزي بنيونس المولود عام 1945م، والذي بدأ يعرض لوحاته منتقلا من عدة مراحل فنية كالواقعية، والسوريالية، والرمزية، منتهيا إلى التجريد. أو تجربة الفنان البوجمعاوي، التي تعد تجربة عربية أصيلة، بتركيزها على الجانب الهوياتي، مزاوجا بين عشق الفن، والتسلح برصيد أكاديمي من خلال دراسته سواء بأكاديمية الفنون الجميلة بتطوان، أو باريس، التي تحصل منها على دبلوم الدراسات العليا المعمقة، أوبروكسيل؛ حيث أنهى تكوينه الفني.

الدكتور أبلال، تحدث عن خصائص هذه التجارب؛ فجيل منتصف الستينات استفاد من تجربة الرواد، لكنه حاول أن ينحت تجربته الخاصة، أما الأجيال التي جاءت بعد ذلك، فلكل تجربة تشكيلية خصائصها المستقلة؛ فابراهيم الحمامي اشتغل على ثنائية الحركة والسكون من خلال الألوان، ومحمد بن حمزة اشتغل على جدلية الأشكال الهندسية، وعلى اللونين الأحمر والأزرق، وعند عبد الرحمان ذاتي رأينا انهيار الأشكال المألوفة، وعلى اقتصاد كبير في استعمال الألوان؛ بحيث لم يتعد استعمال الألوان أربعة أو خمسة ألوان.